صفوة

للكاتب هاروكي موراكامي

كنتُ أحدِّث صديقي الشاب عن حادثةٍ غريبة وقعت لي وأنا في الثامنة عشر من عمري. لا أذكر تمامًا لماذا بدأت الحديث عنها، ولكن فقط حدث أن تذكرتها بينما كنا نتحدث. أعني، أنه شيء قد وقع منذ زمنٍ بعيد، حَدَثٌ من العصر القديم. على أي حال، لم أجد حتى الآن أي تفسيرٍ لما حدث آنذاك.

«كنتُ قد تخرجت من الثانوية حينها لكن لم أذهب إلى الجامعة بعد». شرحتُ له: «كنتُ ما يُطلق عليهronin  ومعناه الطالب الذي فشل في امتحانات القبول الجامعية وينتظر أن يحاول مجددًا، كانت الأمور بالنسبة لي غير واضحة آنذاك».

 أكملت «لم يضايقني الأمرُ كثيرًا، كنت أعلم أني أستطيع الالتحاق بجامعةٍ أهلية جيدة إذا أردت ذلك، لكن والداي أصرَّا على أن ألتحق بجامعةٍ حكومية لذلك تقدمت لأخذ الامتحان وأنا مدركٌ تمامًا بأن لا جدوى من ذلك، وبالطبع فشلت. امتحانات القبول للجامعات الحكومية كانت تمتلك جزءًا إجباريًا للرياضيات، ولم يكن لدي أي ذّرة اهتمام بمسائل التفاضل والتكامل. قضيت حرفيًا ذاك العام في تضييع الوقت وكأني أحاول خلق حُجةِ غياب. كنت أقضي وقتي في المكتبة العامة ألتهم الروايات الضخمة بدلًا من الذهاب للمركز التحضيري للدراسة والتحضير لإعادة الامتحان. متأكد أن والداي كانا يظنان أنني أدرس هناك، لكن هذه هي الحياة. وجدت أن قراءة جميع أعمال الكاتب بلزاك ممتعة أكثر من الاختناق بدراسة مبادئ التفاضل والتكامل».

مع بداية شهر أكتوبر من تلك السنة، تلقيت دعوة لريسيتال بيانو من فتاة كانت تكبرني بعامٍ واحد لكن كنّا نأخذ دروس بيانو لدى نفس المعلم. لمرة واحدة عزفنا مقطوعة قصيرة لموزارت كثنائي، وعندما أصبحتُ في السادسة عشر توقفت عن أخذ دروس البيانو ولم أرها مجددًا منذ ذلك الحين. لذلك لا أعلم لماذا أرسلت لي هذه الدعوة، هل من الممكن أن لديها مشاعر اتجاهي؟ مستحيل. لأكون صريحًا كانت فتاة جذّابة، لكنّها لم تكن من النوع الذي يناسبني؛ كانت ملتحقة بمدرسة أهلية عالية التكلفة وخاصة بالفتيات، أيضًا كانت متأنقة على الدوام، لذلك ليست أبدًا من النوع الذي سيقع بحب فتىً مملٍ وعاديٍ مثلي.

 كانت ترمقني بنظرةٍ حادة كلما أخطأتُ عزف نوتةٍ خلال عزفنا لتلك المقطوعة. كانت أمهر مني في العزف وكان هذا سببًا لتوتري على الدوام، لذلك كنت أخطئ العديد من النوتات عندما يحين الوقت للعزف بجانبها ويصطدم كوعي بكوعها عدة مرات. لم تكن بالمقطوعةِ الصعبة، وعلاوةً على ذلك كنت مسؤولًا عن الجزء الأسهل. كنت كلما أخطأت عزف نوتة يظهر على وجهها تعبير “فلترحمني!” وتصدر صوت نقر بلسانها (ليس بصوتٍ عالٍ لكن كان واضحًا بشكلٍ كافٍ لي) حتى الآن ما زلت أستطيع سماع ذلك الصوت. يبدو أن ذلك الصوت كان لهُ تأثيرٌ على قراري بالاستسلام عن البيانو. على أي حال، علاقتنا كانت أننا نذهب إلى نفس مدرسة البيانو وكنا نتبادل التحية إذا ما مرينا بجانب بعض لكن لا أذكر أننا تشاركنا شيئًا بصورةٍ شخصية أبدًا. لذلك تلقِ دعوة بشكلٍ مفاجئ منها لريسيتال (لم يكن عرضًا منفردًا لكن مع فرقة مكونة من ثلاثة عازفي بيانو) جعلني متفاجئًا، في الواقع شعرت بالحيرة.

كان الوقت هو الشيء الوحيد الذي امتلكته بوفرة في ذلك العام، لذلك أرسلتُ بطاقة بريدية تفيد بقبولي الدعوة. السبب الذي جعلني أوافق هو فضولي لمعرفة ما وراء تلك الدعوة، هذا إذا كان يوجد دافعٌ وراءها في الأصل. لكن لماذا؟ إرسال دعوة بشكلٍ مفاجئ بعد كل هذا الوقت؟ من الممكن أنها أصبحت عازفة أمهر من ذي قبل وأرادت أن تتفاخر بذلك أمامي، أو من الممكن أن هناك أمرٌ شخصي تود إيصاله لي. باختصار، كنت أبحث عن أفضل طريقة لإشباع فضولي مفكرًا بشتَّى الأسباب.

كانت قاعة الحفل على قمة واحدٍ من جبال كوبي. صعدت على متن القطار الذي يؤدي إلى أقرب نقطة من محطة هانكيو، ثم من هناك استقلَّيت حافلة حيث شقت طريقها عبر طريقٍ متعرج شديدِ الانحدار. نزلت في محطة توقف قريبة من قمة الجبل، وبعد المشي خطواتٍ قليلة وصلت إلى قاعة احتفالات متواضعة والتي كانت مملوكة ومدارة من قبل مجمع شركاتٍ ضخم. لم يخطر على بالي وجود قاعة احتفالات هنا، في بقعة غير مناسبة على قمة جبل في حي سكني هادئ وراقِ. بإمكانك تخمين أنه كان يوجد العديد من الأمور التي لم أعلم بشأنها في هذا العالم. شعرت بأن علي إحضار شيء ما تعبيرًا عن امتناني للدعوة، لذلك اخترت مجموعة من الزهور التي ارتأيت أنها مناسبة للحدث من عند بائع زهورٍ قُرب المحطة ولفها لي كباقة. أتت الحافلة حينها وقفزت على متنها. كانت ظهيرة باردة من يوم الأحد، مع أنه لم يكن هناك أي رياح آنذاك لكن كانت السماء ملبدة بغيوم رمادية كثيفة، بدا وكأنها ستمطر مطرًا باردًا في أي لحظة. كنت أرتدي كنزة رقيقة سادة تحت سترة رسمية رمادية مع درجة بسيطة من اللون الأزرق، حاملًا حقيبة قماشية على كتفي. كانت السترة جديدة بينما الحقيبة مهترئة قد عفا عليها الزمن وفي يدي باقة مبهرجة من الزهور الحمراء ملفوفة بورق السلوفان. عندما صعدت على متن الحافلة بهذا التأنق المبالغ به، أصبح يحدق بي بقية الركاب، أو أنهم لم يحدقوا في الواقع لكني شعرت وكأنهم فعلوا. استطعت الشعور باحمرار وجنتاي. كنت أحمرُّ خجلًا من أبسط الأمور آنذاك، وكان الاحمرار يطول حتى يختفي.

«لماذا أنا هنا؟» سألت نفسي بينما كنت منحنيًا على مقعدي أحاول تخفيف احمرار وجنتاي بكفاي. لم يكن لدي رغبة حقيقية في رؤية تلك الفتاة أو الاستماع إلى الريسيتال، فلماذا إذًا أنفقتُ جميع مدخراتي على باقةِ زهور وسافرتُ كل هذا الطريق لقمة جبل في ظهيرة يومِ أحدٍ كئيبة من شهر نوفمبر؟ بالتأكيد كنت أعاني من خطبٍ ما عندما وضعت ردي بالموافقة في صندوق البريد. كلما صعدنا أعلى باتجاه الجبل كلما قل عدد الركاب الموجودون في الحافلة. وبحلول الوقت الذي وصلنا فيه إلى المحطة التي سأنزل فيها، كنت أنا والسائق فقط من بقي.

نزلت وبدأت باتباع الاتجاهات المكتوبة على الدعوة حتى وصلت لشارعٍ ذو انحدارٍ بسيط. كنتُ كلما انعطفت نحو زاويةٍ يظهرُ الميناء حينها للحظة ثم ما يلبث أن يختفي مجددًا. كانت السماء ملبدة بالغيومِ تحمل لونًا باهتًا وكأنها مغطاة بالرصاص. كانت توجد رافعات ضخمة أسفل المرفأ، بارزة في الهواء وكأنها قرون استشعار بعض المخلوقات البشعة التي قد زحفت خارج المحيط.

كانت المنازل الموجودة أعلى المنحدر ضخمة وفخمة مع جدران حجرية مصمتة وبوابات أمامية باهرة مع مرآب تتسع لسيارتين. كانت سياجات الأزاليات مقلَّمة بدقة. آتى صوت نباح كلبٍ ضخمٍ من مكانٍ ما، استمر ينبح عاليًا لثلاثِ مرات وفجأة توقف، كأن شخصًا ما وبخه بشدة، حينها امتص الصمتُ كل شيءٍ حولي.

كلما واصلت اتباع الخارطة البسيطة الموجودة على الدعوة كلما توجستُ أمرًا مربكًا ومبهمًا. شيءٌ ما خاطئ.

 أولًا الشوارع خالية من الناس، منذ أن نزلت من الحافلة لم أرَ أي مخلوقٍ يمشي. مرت سيارتين فقط، لكنّهما كانا متجهتين لأسفل المنحدر وليس لأعلاه. كنت أتوقع رؤية العديد من الأشخاص لو كان هناك حفل ريسيتال سيقام هنا بالفعل، لكن الحي كان ساكنًا صامتًا وكأن الغيوم الكثيفة في الأعلى ابتلعت جميع الأصوات.

هل اختلط علي أمرٌ ما؟ أخرجت الخارطة من جيب سترتي وتفقدت المعلومات مجددًا، ربما أخطأت القراءة، لذلك أعدت قراءتها بدقة أكثر، مع ذلك لم أجد أي شيءٍ خاطئ. سلكت الشارع الصحيح، ركبت الحافلة الصحيحة، في اليوم والوقت الصحيحين. أخذت نفسًا عميقًا لأهدئ من روعي وانطلقتُ من جديد. الشيء الوحيد الذي كان باستطاعتي فعله في هذا الموقف هو الوصول إلى قاعة الحفل ومعرفة حقيقة الأمر.

عندما وصلت أخيرًا إلى القاعة وجدت البوابة الفولاذية الضخمة مغلقة بإحكام. لُفَّت سلسلة متينة ومثبتة بقفل ثقيل حول البوابة ولا وجود لأحدٍ في الجوار. استطعت رؤية موقف سيارات متوسط الحجم من خلال فتحة صغيرة موجودة على الباب، لكن لم أجد أي سيارة تقف هناك. كانت الحشائش قد نبتت بين حجارة الأرصفة، وبالنسبة لموقف السيارات بدى وكأنه لم يتم استخدامه منذ زمن بعيد. بالرغم من ذلك كانت اللافتة الموجودة عند المدخل تشير إلى أن هذه هي القاعة التي كنت أبحث عنها. ضغطت على زر الاتصال الداخلي الموجود قرب المدخل، ولكن لم يُجب أحد. انتظرت قليلًا ثم ضغطت مجددًا، لكن لا إجابة. نظرتُ إلى ساعتي، كان من المفترض أن يبدأ الحفل في غضون خمسة عشر دقيقة ولكن لا وجود لأي علامة على أن البوابة ستُفتح. كان طلاء البوابة مليئًا بالبقع وبدأ الصدأ بالانتشار. لم يكن بوسعي التفكير في أي أمرٍ آخر لذلك ضغطت على زر الاتصال للمرة الأخيرة مثبِّتًا إصبعي عليه مدة أطول، لكنَّ النتيجة في النهاية بقيت كما هيَ، صمتٌ مطبق. بلا أدنى فكرة عما يجب عليَّ فعله، أسندت ظهري إلى البوابة لعشر دقائق. كان لدي أملٌ ضئيل على ظهور أي شخص قريبًا. لكن ما من أحد.

لم تكن توجد أي علامة على وجود أي حركة، سواءً داخل البوابة أو خارجها، لا رياح، لا طيور تزقزق ولا كلاب تنبح. وكما سابقًا، وكأن بطانية من الغيم الرمادي الكثيف بُسطت فوقي.

استسلمت في النهاية. ما الذي عليَّ فعله أكثر من هذا؟ وبخطىً متثاقلة بينما كان يهبط الظلام، بدأت العودة أدراجي اتجاه محطة الحافلات أفكر حول الأمر الوحيد الذي كان واضحًا، وهو أنه لا وجود لحفل ريسيتال أو حدثٌ يقام هنا اليوم. كل ما كان باستطاعتي فعله الآن هو العودة إلى المنزل حاملًا بيدي باقةً من الزهور الحمراء وبلا شك ستتساءل والدتي «من أجل ماذا هذه الزهور؟» ويجب عليَّ حينها الإجابة برد مقنع. أردت التخلص منهم في قمامة المحطة لكنهم كانوا (على الأقل بالنسبة إلي) شيئًا باهظ الثمن لرميه بعيدًا.

كان يوجد على بُعد مسافة قصيرة من أسفل التل حديقة صغيرة تقريبًا بحجم حديقة منزل وتعطي هالة من الدفء، وفي الجزء البعيد عن الشارع من الحديقة كان يوجد جدار مزوي مصنوع من الصخور الطبيعية. في الواقع، بالكاد كنت أستطيع القول أنها حديقة، لم تكن تحتوي على نافورة ماء أو ملعب مجهز بالألعاب، كل ما كان موجودًا هناك مجرد تعريشة مثبتة في منتصف الحديقة. كان هيكل التعريشة على هيئة شبكات مائلة ويتخللها أوراق اللبلاب. كانت هناك شجيرات حول التعريشة وأحجارٌ مسطحة مربعة على الأرض. كان من الصعب معرفة ما المغزى من وجود هذه الحديقة، لكن كان من الواضح أن شخصًا ما يعتني بها باستمرار؛ الأشجار والشجيرات كانت مقلَّمة بعناية، بِلا أعشاب ضارة أو قمامة حولها. عندما كنت في طريقي لأعلى التل لم ألحظ وجود حديقة في الجوار بالرغم من مروري جانبها.

اتجهت نحو الحديقة لتصفية ذهني وترتيب أفكاري. جلست على مقعد بقربِ التعريشة، شعرتُ بأنه يجب عليَّ الانتظار قليلًا في المنطقة ورؤية كيف ستسير الأمور (من الممكن أن يظهر الناس فجأة) وفي اللحظة التي جلست فيها أدركت كم أنني مرهَق. كان نوعًا غريبًا من الإرهاق، كأنني كنت مجهدًا منذ فترة دون أن ألحظ والآن فقط صفعني الألم.

من خلال فتحة التعريشة رأيت مشهدًا بانوراميًا للميناء. كانت العديد من سفن الشحن الكبيرة راسية عند الرصيف. ومن أعلى الجبل، بدت الحاويات المعدنية المكدسة وكأنها مجرد حاويات معدنية صغيرة من تلك التي تحتفظ بها فوق مكتبك وتضع العملات المعدنية أو مشابك الورق داخلها.

بعد مرور بعض الوقت، سمعت صوت رجل آتٍ من مسافة بعيدة. لم يكن صوتًا عاديًا بل قادمًا عبر مكبر صوت. لم أستطع تمييز ما يُقال لكنّه كان يسكت قليلًا بعد كل جملة. كان صوت المتحدث جديًا خاليًا من أي مشاعر وكأنه يود إيصال شيءٍ بالغ الأهمية بصورة موضوعية قدر الإمكان. خطرَ لي أن هذه ربما تكون رسالة شخصية موجهة مباشرة لي، ولي وحدي. شخصٌ ما تحمل عناء الأمر ليأتي ويخبرني بما أخطأت به وما الشيء الذي غفلت عنه. غالبًا لم يكن شيئًا سأفكر فيه على هذا النحو، لكن لسببٍ ما أحسستُ بهذا الشعور.

ركزت في الصوت، بات الصوت يصبح أقرب وأوضح شيئًا فشيئَا. لابد وأن الصوت قادمٌ من مكبر صوتٍ معلق فوق سقف سيارة في طريقها إلى أعلى المنحدر تسير ببطء وليست على عجلة من الأمر بتاتًا. أخيرًا استطعت سماع ما يُقال بكل وضوح: إنها سيارة تبشير تبث الرسالة المسيحية.

«جميعنا سنفنى» قالها بطريقةٍ روتينية وهادئة.

«جميع الناس سينتهي الحال بهم إلى الفناء. لا أحد يستطيع الإفلات من الموت أو الحساب. سيُحاسب كل شخصٍ على خطاياه وبشدة بعد الموت».

 شعرت بالغرابة بينما كنت جالسًا على المقعد أستمع لهذه الرسالة، أن يقوم شخصٌ ما بالنصح الديني في هذه المنطقة السكنية شبه المهجورة الموجودة على قمة جبل! وعلاوة على ذلك جميع من يعيشون هنا أثرياء ويمتلكون العديد من السيارات، أشك في أنهم كانوا يسعون للخلاصِ من الخطايا. أو من الممكن أنهم يفعلون؟ ربما المكانة والدخل ليس لهما علاقة بالخطايا والخلاص.

«لكن أولئك الذين يسعون للخلاص ويتوبون عن خطاياهم سيغفر لهم الرب وسينجون من نيران الجحيم. آمنوا بالربّ، وحدهم المؤمنون به سيصلون إلى الخلاصِ بعد الموت وسيحظون بالحياةِ الخالدة».

كنتُ في انتظار أن تظهر سيارة التبشير على الشارع أمامي وتقول المزيد عن الحساب بعد الموت. أعتقد أني أردت فقط الاستماع إلى كلماتٍ بصوتٍ حازمٍ مطمئن بغض النظر عن ماهية الكلام. لكن السيارة لم تظهر أبدًا، وعند نقطةٍ معينة بدأ الصوت يضعف ويصبح أقل وضوحًا شيئًا فشيئَا، وقبل أن أدرك، كان الصوت قد تلاشى تمامًا ولم أعد أسمع أي شيء. من الممكن أن السيارة قد انعطفت في اتجاهٍ آخر بعيدًا عن المكان الذي كنتُ فيه. عندما اختفت السيارة شعرت وكأن العالم قد هجرني. وفجأة أدركت أمرًا ما: من الممكن أن الأمر برمته مجرد خدعة دبرتها الفتاة. هذه الفكرة (أو احساسي الداخلي إذا صَّحَ القول) أتت من الامكان. لسببٍ ما لا أعرفه هي قد تعمدت إعطائي معلوماتٍ خاطئة وجرّتني إلى قمة جبلٍ بعيد في ظهيرةِ يومِ أحد. ربما فعلتُ أمرًا ما جعلها تكّن لي ضغينة شخصية، أو ربما بلا سبب معين. من الممكن أنها وجدتني شخصًا لا يُطاق لذلك أرسلت لي دعوة لحفل ريسيتال لا وجود له، والآن بالتأكيد تضحك ملء فاهها مستهزئةً بي بينما تشاهد (بالأصح تتخيل) كيف أنها نجحت في خداعي وكيف أنني أبدو الآن بمظهرٍ مثيرٍ للشفقة.

لكن هل من الممكن أن يتحمل شخصٌ كل هذا العناء ويأتي بحبكة معقدة كهذه فقط من أجل مضايقةِ شخصٍ ما بدافع الحقد؟ مجرد طباعة البطاقة البريدية لا بد أنه استنفد بعض الجهد، هل يوجد شخصٌ بهذا اللؤمِ حقًا؟

لم أستطع تذكر أي شيء قد فعلته لها جعلها تكرهني لهذا الحد. لكن في بعض الأحيان، وبدون أن ندرك، نطأ على مشاعر الأشخاص ونجرح كبريائهم ونجعلهم يشعرون بالسوء. حاولت التكهن عن سبب تلك الكراهية العميقة أو سوء الفهم الذي قد حدث، لكن في النهاية لم أستطع إيجاد أي إجابة مقنعة. وبينما أجول بلا جدوى عبر متاهةٍ من المشاعر، شعرت بأن عقلي يفقد طريقه، وقبل أن أدرك وجدتني أعاني صعوبة في التنفس. كان هذا يحدث لي مرة أو مرتين في السنة، أعتقد أنه كان يحدث بسبب فرط التنفس الناتج عن نوبات الهلع. يصيبني الهلع ويتشنج حلقي وأصبح غير قادرٍ على التنفس. عندما كانت تصيبني تلك النوبة كنت أشعر وكأنها تيارُ ماءٍ سريع يجرفني معه حتى الغرق ويتجمد جسدي. كل ما كنت أستطيع فعله في تلك الأوقات هو أن أضم ركبتاي إلى صدري وأغمض عيناي وأنتظر بصبر حتى يعود جسدي لإيقاعاته الطبيعية. عندما كبرت بالعمر لم أعد أعاني من هذه النوبات (وعند مرحلة ما، لم أعد أحمر خجلًا من أبسط الأمور) لكن في أيام مراهقتي كنت ما زلت أعاني من هذه المشكلات.

على المقعد بجانب التعريشة، انحنيت وأغمضت عيناي بإحكام وانتظرت حتى أتحرر من هذا الأسر. ربما كانوا خمس دقائق، أو خمسة عشر؟ لا أعلم كم من الوقت قد مر وأنا على هذا الحال، ولكن طوال المدة التي قضيتها هكذا رأيت أشكالًا غريبة تظهر وتختفي في الظلام. بدأت أعدهم ببطء محاولًا قدر استطاعتي السيطرة على تنفسي. كان قلبي ينبض بشدة. كان النبض يُحدث إيقاعًا قويًا وخشنًا داخل قفصي الصدري وكأن هنالك فأرٌ مذعورٌ يركضُ في الداخل.

 كنتُ غارقًا في العد ولذلك استغرق مني الأمر بعض الوقت حتى أدرك وجود شخصٍ آخر في المكان، شعرت أن شخصًا ما يقف أمامي ويراقبني. بحذرٍ قمت بفتح عيناي ببطء ورفعت رأسي قليلًا بينما لا يزال قلبي ينبض بقوة. وهناك على المقعد المقابل لي، جلس رجلٌ عجوز بينما ينظرُ مباشرةً لي. لم يكن من السهل على شابٍ صغير مثلي أن يخمن عمر شخصٍ عجوز، كانوا جميعهم بالنسبة لي فقط مجرد مسنين، ستون؟ سبعون؟ ما الفرق؟ لم يعودوا شبابًا بعد الآن وهذا كل ما في الأمر.

كان الرجل يرتدي كارديجان صوفي لونه رمادي مزرق، وبنطالًا مخمليًا بنيًا وحذاءً رياضيًا كحلي اللون. بدى ما يرتديه وكأنه قد حال عليهمُ الزمن؛ لم يبد أي شيء مما كان يرتديه بحالة جديدة. لا أقصد أنه كان يبدو رثًا أو شيء من هذا القبيل، كان شعره الرمادي كثيفًا وخشن وكانت بعض الخصلات الظاهرة من خلف أذنيه تشبه أجنحة الطيور عندما تبتل بالماء.

لا أعلم منذ متى كان موجودًا، لكن كان لدي شعور بأنه كان يراقبني منذ مدة. كنت على يقينٍ تام بأنه سيسأل «هل أنتَ على ما يُرام؟» أو شيئًا من هذا القبيل، حيث لا بد من أن مظهري كان يوحي بأنني أُعاني (وبالفعل كنت كذلك) كان هذا أول شي خطر على بالي عندما رأيته. لكن عكس ما ظننت، لم ينطق بكلمة واحدة ولم يسأل عن أي شيء، فقط حاملًا كالعصا مظلة سوداء مطوية بإحكام. كانت يد المظلة خشبية بلون عنبري، كان مظهرها متينًا حتى أنها تصلح للاستخدام كسلاح. أظنه كان يعيش في الجوار لأنه لم يكن يحمل معه أي شيءٍ آخر.

بينما كنت أحاول تهدئة تنفسي، كان الرجل يراقبني بصمت ولم يشح بنظره ولو للحظة. نظراته أشعرتني بعدم الارتياح (وكأنني أتمشى داخل حديقة منزلٍ خلفية لشخصٍ غريب بدون إذن) أردت النهوض من على المقعد والاتجاهَ إلى محطة الحافلات بأسرع ما يمكنني، ولكن لسببٍ ما لم أستطع الوقوف على قدماي.

مر الوقت، وفجأة، تحدث الرجل «دائرة بعدة مراكز».

نظرت إليه والتقت أعيننا. كانت جبهته عريضة جدًا وأنفه مدبب، مدببًا وحادًا كمنقار طير. لم أستطع النطق بأي شيء، حينها أعاد الرجل كلماته مجددًا «دائرة بعدة مراكز».

لم يكن لدي أي فكرة عما يتحدث. فكرت أنه من الممكن أن يكون هو الرجل الذي كان يقود سيارة التبشير، ربما أوقف السيارة جانبًا ليأخذ استراحةً قصيرة؟ لكن لا أعتقد ذلك، صوته كان مختلفًا تمامًا عن الصوت الذي سمعته؛ الصوت الذي سمعته عبر مكبر الصوت كان لرجلٍ شاب أو لعله كان مسجل صوت؟

سألتُ بتردد «هل قلتَ دوائر؟»

كان أكبر مني سنًا ومن الأدب أن أعطيه ردًا.

«تمتلك العديد من المراكز، بل أحيانًا تكون بأعدادٍ لا نهائية من المراكز وتكون دائرة بلا محيط» تجهم وجهه بينما كان يقول ذلك وتجاعيد جبينه أصبحت أعمق.

«هل تستطيع تخيل هذا النوع من الدوائر في عقلك؟»

كان ما يزال عقلي خارج التغطية لكني أعطيت الموضوع فرصة. دائرة بالعديد من المراكز وبلا محيط. لكن في النهاية لم أتمكن من تخيلها.

 قلت «لا أستطيع تخيلها».

حدق بي الرجل العجوز في صمت، بدى وكأنه ينتظر مني إجابةً أفضل. بفتورٍ أردفت القول «لا أذكر أنهم علمونا هذا النوع من الدوائر خلال حصص الرياضيات في المدرسة».

هز الرجل رأسه ببطء «بالطبع لم يفعلوا، إنه شيء متوقع. لأنهم وكما تعلم جيدًا لا يعلمونكم هذا النوع من الأمور في المدرسة».

كما أعلمُ جيدًا؟ لما قد يفترض هذا الرجل ذلك؟

سألت «هل هذا النوع من الدوائر موجودٌ حقًا؟»

«بالطبع موجودة» قالها وهو يومئ عدة مرات.

«تلك الدائرة موجودة بالفعل، لكن كما تعلم ليس الجميع يمكنه رؤيتها».

«وهل تستطيع أنتَ رؤيتها؟»

لم يُجب الرجل. عَلِقَ سؤالي للحظة بشكلٍ محرج في الجو ثم ما لبث حتى أصبح ضبابيًا واختفى.

تحدث الرجل من جديد «اسمع، يجب عليك أن تتخيلها بقوتك الخاصة، استخدم كل الحكمة التي تمتلكها لتتخيلها. دائرة بالعديد من المراكز وبلا محيط. إذا كثفت جهودك في تخيلها لدرجة أنك ستشعر كما لو أنك ستتعرق دمًا، حينها فقط وتدريجيًا ستصبح ماهية الدائرة واضحة لك».

«يبدو هذا صعبًا».

«بالطبع هو كذلك» قالها وكأنه يلفظ بشيء قاسٍ مخرجًا الكلمات من فمه بصعوبة.

«الأشياء الثمينة في هذا العالم لا يمكن الحصول عليها بسهولة».

وقبل أن يكمل، تنحنح وكأنه على وشك البدء بفقرةِ خِطابٍ جديدة «لكن عندما تبذل كل الجهد والوقت اللازمين لتصل لذلك الشيء الصعب، حينها فقط سيصبح ذلك الشيء هو صفوة حياتك».

«صفوة؟»

Crème de la crème يوجد لدى الفرنسيون تعبير شائع اسمه

  «هل تعرفه؟»

«لا أعرفه» لا أعرف أيًّا من الفرنسية.

«صفوة الصفوة. بمعنى أجود الشيء، أي أهم جوهرٍ في الحياة وهذا ما يعنيه Crème de la crème  هل استوعبتها؟ أما بالنسبة لبقية الأشياء في الحياة تبقى مملة وبلا قيمة».

لم أستطع فهم ما يرمي إليهCrème de la crème ؟

«فكّر بها جيدًا، أغمض عينيك مجددًا وأعطي الأمر كل ما تملك. دائرة بعدة مراكز وبلا محيط. لقد خُلق عقلك للتفكير بالأمور الصعبة، خُلِقَ ليساعدك على الوصول للنقطة التي تجعلك تفهم الأمور التي استصعب عليك فهمها في البداية. لا تكن كسولًا أو مهملًا، إنه وقتٌ حاسم؛ إنه الوقت الذي يلتحم فيه عقلك وقلبك معًا ليصبحا جزءًا واحدًا».

أغمضت عيناي مجددًا وحاولت تصور الدائرة، لم أرد أن أكون كسولًا أو مهملًا، ولكن بغض النظر عن مدى جديتي في التفكير بما كان يقوله الرجل كان من المستحيل بالنسبة لي في ذلك الوقت أن أفهم ما يرمي إليه. جميع الدوائر التي أعرفها تمتلك مركزًا واحدًا ومحيطٌ منحني يربط بين نقاطٍ متساوية البعد عنه، ذلك النوع البسيط من الدوائر الذي يمكنك رسمه بالفرجار. أوليس الدائرة التي يقصدها الرجل بعيدة كل البعد عما تكون عليه الدائرة أساسًا؟

لم أشعر برحيل الرجل من المكان ولا أعتقد أنه كان يحدثني بهذا الأمر لمجرد السخرية مني، من الواضح أنه كان يود إيصال أمرٍ مهم ولذلك حاولت مجددًا لأفهم الأمر، لكن كان الأمر وكأني أدور في حلقة مفرغة دون فائدة. كيف يمكن لدائرة تمتلك عدة أو عدد لا نهائي من المراكز أن تكون موجودة؟ هل هي واحدة من تلك الأمور الفلسفية؟ استسلمت وفتحت عيناي لأنني أحتاج مزيدًا من التوضيح. لكن الرجل العجوز كان قد رحل بالفعل. التفت بحثًا عنه في جميع الأرجاء لكن لم يوجد علامة على وجود أي شخصٍ في الحديقة. كان الأمر كما لو أنه لم يتواجد قط، هل كنتُ أتخيل؟ بالطبع لا، من المستحيل أن يكون كل هذا خيالًا، لقد كان يجلس أمامي مباشرة ممسكًا بمظلته ويتحدث بهدوء بينما يلقي عليَّ سؤالًا غريبًا.

حينها أدركتُ أن تنفسي عاد لطبيعته هادئًا ومستقرًا. ذلك الشعور بأن تيارًا مائيًا يجرفني معه كان قد اختفى. بدأت تظهر فجوات هنا وهناك بين الغيوم السميكة فوق الميناء. اخترق شعاعٌ من الضوء تلك الفجوات مضيئًا ألمونيوم رؤوس الرافعات وكأنه كان مصوبًا بالتحديد على تلك البقعة. بقيت أتأمله مدة طويلة مدهوشًا بذلك المنظر الأسطوري.

 كان وجود باقة الزهور الحمراء الصغيرة الملفوفة بورق السلوفان بجانبي أشبه ببرهانٍ على أن جميع الأمور الغريبة التي وقعت لي حقيقية. فكرت مليًا بما علي فعله بها، وانتهى المطاف بي أن قررت تركها على المقعد بجانب التعريشة. نهضت واتجهت حيث محطة الحافلات التي نزلت فيها سابقًا. وحينها، هبت الرياح مبعثرةً السحب الراكدة في السماء.

بعدما انتهيت من رواية القصة، عم الصمت قليلًا، ثم قال صديقي الشاب: «لا أستطيع فهم الأمر، ما الذي حدث بالضبط آنذاك؟ هل كان يوجد نية أو سبب خلف ما حدث؟»

تلك الأمور الغريبة التي مررت بها على قمة ذلك الجبل في كوبي من ظهيرة يوم أحدٍ في أواخر الخريف (متَّبِعًا الاتجاهات الموجودة على الدعوة نحو المكان الذي من المفترض أن يُقام فيه الحفل، لأكتشف حينها أن المبنى مهجورٌ تمامًا) ما الذي يعنيه كل هذا؟ ولماذا قد حدث؟ هذا ما كان يعنيه صديقي بالسؤال، مجرد أسئلة طبيعية قاده إليها فضوله، خاصة وأن القصة التي رويتها لم تصل إلى أي نهاية واضحة.

«أنا نفسي لا أستطع فهم الأمر حتى الآن».

سيبقى لغزًا غير محلول كما هي بعض الألغاز غير المحلولة من العصور القديمة. الأمرُ الذي قد حدث آنذاك كان غامضًا ومبهمًا، وبالنسبة لي كفتىً في الثامنة عشر وجدتني مرتبكًا وتائهًا لدرجةِ شعرت بأني على وشك الضياع وفقدان الطريق.

«لكن لدي شعورٌ بأن النية أو وجود سبب للأمر لم يكونا المشكلة».

بدت الحيرة على وجه صديقي «هل تقصد أنه لا داعي لمعرفة ما كان يدور حوله الأمر؟»

أومأت

«لكن لو كنتُ مكانك سيضايقني الأمر ولن أتوقف عن التفكير به، سأود أن أعرف الحقيقة، لما قد حدث لي ذلك؟»

«بالطبع كنت متضايقًا من الأمر أنا الآخر آنذاك وآلمني ذلك بشدة أيضًا. لكن بالتفكير في الأمر لاحقًا، من مسافةٍ بعيدة، بعد مرور فترةٍ من الزمن، شعرتُ بأنه ليس بالأمر الجلل لأشعر بالضيق اتجاهه. شعرتُ بأن لا علاقة له بصفوة الحياة».

 كررها «صفوة الحياة».

أخبرته «أمورٌ كهذه تحدث غالبًا. أمورٌ غير منطقية وغير قابلة للتفسير تحدث، ومع ذلك تُكدِّرُ علينا صفوَ أذهاننا، لكن أظن أننا بحاجة للتوقف عن التفكير في تلك الأمور ونغمض أعيننا ونمر من خلالها كما لو أننا نمر من خلال موجة عملاقة».

سكت صديقي لبعض الوقت يفكر في الموجة العملاقة. كان راكب أمواجٍ محترف، ولذلك كان أي شيء له علاقة بالأمواج يجعله يتعمق بشدة في التفكير. ثم أخيرًا تحدّث «لكن من الصعب أيضًا عدم التفكير في أي شيء».

«بالطبع هو شيء صعب».

«الأشياء الثمينة في هذا العالم لا يمكن الحصول عليها بسهولة».

تذكرت كيف قالها الرجل العجوز آنذاك بقناعةٍ غير متزعزعة كما لو أنه فيثاغورس وهو يشرح نظريته.

سأل صديقي «بالنسبة إلى الدائرة التي بعدة مراكز وبلا محيط، هل عثرت على الإجابة قط؟»

«سؤالٌ جيد» أجبت وأنا أهز رأسي.

أتساءل إن كنت قد وجدتها؟ لكن منذ ذلك الحين كلما واجهت أمرًا مزعجًا غير مفهومًا ولا منطقيًا (لا أقول أنه يحدث لي في الكثير من الأحيان ولكن قد حدث بعض المرات) أعود لتلك الدائرة، الدائرة التي تمتلك عدة مراكز وبلا محيط. وكما فعلت حينما كنت في الثامنة عشر على ذلك المقعد، أغمض عيناي وأستمع إلى دقات قلبي بتمعن. في بعض الأحيان أشعر أني أستطيع فهم ماهية تلك الدائرة، لكن كلما تعمقت في التفكير عن ماهيتها كلما أفلت مني الخيط الذي يصلني إليها. لكن من المؤكد أن تلك الدائرة ليست بدائرة ملموسة أو موجودة بشكلٍ فعلي وإنما موجودة بداخل أذهاننا فقط. عندما نحب شخصًا ما بحق، أو نتعاطف مع أمرٍ ما، أو عندما نفكر بطريقة مثالية عما يجب أن يكونه العالم، أو عندما نعثر على الإيمان (أو ما يكون أقرب للإيمان) حينها فقط سنكون قادرين على فهم الدائرة بشكلٍ مُسلَّمٍ به ونرحب بها داخل قلوبِنا. مع ذلك لم يكن ذلك سوى محاولاتي الضبابية لتفسير ماهيتها.

عقلك خُلِقَ ليفكر في الأمور الصعبة، ليساعدك على الوصول إلى النقطة التي تستطيع فيها فهم الأمور التي استصعب عليك فهمها في البداية، ووصولك إلى تلك المرحلة يعبر عن صفوة حياتك، بينما الباقي يبقى مملًا ولا قيمة له. ذلك ما قاله لي الرجل العجوز ذو الشعر الرمادي في ظهيرة يوم أحدٍ غائمة من أواخر الخريف على قمة جبلٍ في كوبي بينما أمسك باقة صغيرة من الزهور الحمراء. وإلى اليوم، كلما حدث أمرٌ يضايقني، أتبصَّرُ تلك الدائرة المميزة، وما هو مملٌ ولا قيمة له، وأخيرًا صفوة حياتي التي من المؤكد أنها موجودة هناك، في أعماقي.

بكاءٌ صامت

(1)

بينما كنت أحضّر الغداء وأفكر كيف أنني أود الهروب من هذا المكان رن هاتف المنزل

رفعت والدتي السماعات وكل ما كانت تقوله “نعم، حسنًا، لقد فهمت.” بدا وجهها شاحبًا قلِقًا.

“من المتصل؟”

“ذلك الشخص”

“و؟”

“إنه يريد ماله الذي أقرضنا إياه منذ شهرين…”

“هكذا اذًا..”

بقي الجميع صامتًا, تناولنا الغداء في صمت، لكن لم يكمل أحدٌ طبقه.

خيم الصمت على جميع أنحاء المنزل في ذلك اليوم. لطالما كان هذا المنزل يتعامل بالصمت عندما يتعلق الأمر بالمشاعر، حتى البكاء يكون صامتًا.

قررت أنا ووالدتي أن نعمل بدوامٍ إضافي في نفس وظائفنا حتى يتسنّى لنا رد الدين, وبما أنني أعمل كمعلمة, قررت العمل في الفترة الصباحية والمسائية.

(2)

  كنت أجلس على الكرسي الخشبي الطويل في حديقة المدرسة الخلفية خلال استراحتي في الفترة المسائية, وبينما كنتُ أشرب القهوة أتأملُ غروبَ الشمس جلس شخصٍ على الكرسي.

“مرحبًا أيتها المعلمة الجديدة.”

عرفته من صوته بدون أن أنظر بجانبي. إنهُ معلم الفنون في الفترة المسائية، دائمًا ما ألحَظُ صخبهُ مع الأطفال حينما يرسمون بخارج الصف, يبدو محبوبًا من قِبلهم. لكن على غير العادة صوتهِ كان هادئًا جدًا.

“لستُ معلمةً جديدة, أنا فقط أصبحت أعمل في الفترة المسائية بجانب الصباحية” أجبته وأنا لا زلت أتأمل الغروب.

“آآه..هكذا إذًا”

بقي صامتًا قليلًا ثم قال “الغروب رائع, أليس كذلك؟”

“أجل.”

أعتقد أنه استسلم من أنني سوف أجعل المحادثة تستمر, لذلك بقي جالسًا في صمت بجانبي حتى انتهاء فترة الاستراحة.

(3)

أصبح يجلس بجانبي يوميًا في نفس الفترة يثرثر قليلًا عن الأطفال وأسئلتهم المثيرة للاهتمام وتارة يثرثر عن الغروب ومعلوماتٍ عن السماء والنجوم. لم أكترث لما يقوله كثيرًا لكنني لم أنزعج من وجوده كان يجعلني أتوقف عن التفكير في الأمور غير السارة, في الحقيقة بدا صوته الهادئ كنسيم عليل في ليلة صيفٍ حار, لذلك كنت أحب الاستماع إلى صوته ولم أوقفه عن الثرثرة.

فجأة سألَني “هل لديكِ أصدقاء؟”

“هل لديَّ أصدقاء؟ لم أعد أعلم”

“ما الذي تقصدينه؟”

صمتُّ قليلًا “أنت، هل لديك أصدقاء؟”

“نعم لدي”

“هذا جيد”

“لم تجيبي عن سؤالي”

“لا يوجد إجابة، بعض المشاعر لا يمكن أن تتحول إلى كلمات”

(4)

مرت الأيام وأصبح وجوده من روتيني

سألني “لماذا تعملين في الفترتين, أليس هذا مرهقًا؟”

لطالما كنت شخصًا متحفظًا, لكن بدون أن أدرك وجدتُني أخبره بالسبب الحقيقي وعن مشاعري بالهروب من ذلك المكان.

لم يبدِ أي رد فعل فقط قال “أرجو أن تصبح الأمور أفضل وأن تردوا الدين.”

“شكرًا لك”

(5)

منذ أول يومٍ رأيتها فيه وكان حولها هالة من الهدوء مثيرة للاهتمام, لذلك عيناي كانت تلاحقنها باستمرار.

عندما علمت بأمر الدين أردت مساعدتها بشدة, لا أود منها أن تعاني, فكرت مرارًا بطريقةٍ لمساعدتها بدون أن تعلم إلى أن وجدتها. مع أنني بذلك سأتسبب بفراغٍ كبيرٍ في قلبي, لكن أود تخليصها من هذه المعاناة.

في اليوم التالي سألتها “هل لديكِ أمنية تودين أن تتحقق بشدة؟”

لم ترد

نظرتُ إليها, عيناها كانت توحيان بالخواء

 أجابت “أمنيتي أن أبكي”

“أن تبكي!!”

“لقد كبرت في منزلٍ صامت، غير مسموحٍ لنا بالبكاءِ حتى. وإذا بكيت يجب أن يكون بكاءً صامتًا لا يعلم عنه أحد، لأن من يبكي سيُعاقب، ‘البكاء للمدللين فقط’ هكذا كان يقول والدي. حتى والدتي أصبحت كذلك بسببه. مع الوقت فقدتُ القدرة على البكاء مهما كان الحزن الذي بداخلي، أعتقد أن جميعنا فقد هذا الشيء، كنت أتمنى لو أن والدي كان يرى أن البكاء أمرٌ عادي، أعتقد أننا لم نكن لنصل إلى هذا الفراغ.”

“إذًا, أنا أيضًا أصبحت أمنيتي أن تستطيعي البكاء.”

لأول مرة تنظر إلي, ضَحكَت بهدوء “يا لكَ من شخصٍ غريب”

لقد كنتُ سعيدًا جدًا لدرجة وددت لو أستطيع تأمل وجهها لمدة طويلة

عادت تنظر إلى السماء وعلى وجهها ابتسامةٌ صامتة.

(6)

في اليوم الأخير من الشهر بينما كنا جالسين وعلى غير العادة التفتت إلي وهي من بدأ الحديث

“تعلم, لقد دفعنا الدين”

“حقًأ؟؟ يا للخبر السعيد”

بينما لا تزال مبتسمة قالت “أجل. المدرسة قد أعطتني مكافئة بجانب راتبي لأنني عملت بجد في كِلا الفترتين, كانت المكافئة كبيرة لذلك مع راتبي استطعت أن أرد الدين بدون أن نأخذ راتب والدتي أيضًا.”

تظاهرت بالتفاجئ “أليس هذا رائعًا؟؟ أنا سعيدٌ لسماع ذلك حقًا.”

وفجأة بدأت دموعها بالانهمار بشدة كانت تبكي لكن بصمت

 اقتربت منها وربَّتُ على ظهرها “لا بأس أن تبكي عاليًا هنا”

بدأت البكاء بشدة كالطفل, وددت لو أستطيع معانقتها لكن لا يمكنني ذلك.

بقيت بجانبها صامتًا حتى انتهت من البكاء

حينها وقفت, ووقفت أمامها

عانقتني فجأة وبشدة

كان ذلك مفاجئًا جدًا لدرجة أنني تجمدت ولم أستطع حتى أن أبادلها العناق

“شكرًا لتحدثك معي خلال هذه الفترة، أستطيعُ الهرب الآن.”

عادت للوراء، وقبل أن تذهب أمسكت بيدها, يدها النحيلة الدافئة أردت أن أخبئها داخل يدي للأبد “اذًا لن أستطيع رؤيتكِ مرةً أخرى؟”

نظرت إلى عيناي قليلًا وابتسمت،

أفلتت يدها من يدي، التفتت بظهرها، وتوارت مع غروب الشمس كأنها لم تكن.

تمت.

عامُ الصَفَعَات

سأكون في الرابعة والعشرون من عمري قريبًا, كم تمضي الأيام سريعًا أليس كذلك؟

عندما أفكر في أحداث عامي الثالثِ والعشرون, يا لهُ من عام…كأنه كان هنالك إعصار لم يهدأ ولو لدقائق. اذا كان للأعوامِ أسماء فعامي ال23 سيكون اسمه عام الصفعات.

صفعتني الحياة بالعديد من المواقف هذا العام, لكنّها كانت صفعات مجدية, تعلمت خلالها العديد من الأشياء, كل الأمور السيئة التي مررت بها, خرجت منها بتفكير وعقلية جديدين.

تلك التجارب كانت في صالحي حتى وإن كنتُ أظنها العكس, أو لم أكن متقبلة لأي مما يحدث لي, لكنّها كانت الخير لي.

سأذكر ما تعلمته واستوعبته من خلال تلك التجارب:

  • الحياة لا تستحق كل هذا العناء, لا تستحق أن ألهث وراءها وهي فانية وسأفنى قبلها حتى, مهما فعلت وهلكت نفسي لأجل شيء دنيوي لا شيء باقٍ. بعد رؤيتي وهم يكفنون جدتي, حملها ووضعها في النعش, حملي لحوض التغسيل كي أضعه على جنب, اليوم أنا أشاهد وأحمل هذا الحوض, غدًا أنا فوقه, جسدٌ بلا روح, لا أملك القدرة على فعل أي شيء حتى التنفس, كل الأعضاء توقفت عن العمل حتى البصر, لن أصبح من الأحياء بعد الآن فلماذا كل هذا العناء اتجاه هذه الفانية؟

“نَبكي عَلى الدُنيا وَما مِن مَعشَرٍ

جَمَعَتهُمُ الدُنيا فَلَم يَتَفَرَّقوا

أَينَ الأَكاسِرَةُ الجَبابِرَةُ الأُلى

كَنَزوا الكُنوزَ فَما بَقينَ وَلا بَقوا”

  • لا بأس اذا أخطأت, انه شيء طبيعي أن نُخطئ وأن لا أستمع للأشخاص الذين يجعلونني أشعر أنه يجب علي أن أكون دائمًا مثالية وأن لا أخطئ أبدًا واذا أخطأت من المفترض أن أندم على هذا الفعل طوال حياتي. لكن بالعكس أجد أنهُ من الجيد أن يُخطئ الإنسان ويتعلم من أخطائه وبهذا سيتعلم وعندما يواجه مواقف مشابهة سيفكر بعقلانية حتى لا يقع في الخطأ نفسه, وبالنهاية نحن مجرد بشر.
  • ليس كل ما أراهُ أمامي وأنبهر برؤيته فهذه هي حقيقته, لا يمكن الحكم على الشخص أبدًا من معاملاتٍ ومعرفة سطحية في النهاية “الضبابُ هو ما يجعل الأشياء تبدو ساحرة” استمريت بالبقاء في الضباب حتى فقدت الرؤية الحقيقية, وعندما انكشف الضباب وعادت رؤيتي اكتشفت أن كل شيء كان وهمًا.
  • الاعتزاز باللحظة.
  • الحياة ليست شوجو مانجا.
  • ليس على الشخص التفكير بأن الحياة التي يعيشها الآن هي ليست الحياة التي يودها. في لحظة, من الممكن أن يفقد كل شيء وسيستوعب أنهُ كان يعيش حياة يتمنى لو يستطيع العودة لعيشها ولو قليلًا. وهذا ما حدث معي, لذلك لن أعود وأفكر أنني أريد حياةً أخرى مليئة بالأشياء التي على أهوائي فقط وأنا لا أعلم ما الذي تحمله لي الأيام. من الأفضل الرضا بحاضري. “واللهُ يعلمُ وأنتم لا تعلمون”
  • لا أحد يأخذ رزق أحد, وعدم الاستعجال على الرزق. الرزق المكتوب للشخص آتٍ آت, سواء ظن أنهُ رزقُ قليل أم مناسب, الله هو الأعلم ما المقدار المناسب لكل مخلوقٍ من مخلوقاته. “ولكن ينزِّلُ بقَدَرٍ ما يشاء إنَّهُ بعبادهِ خبيرٌ بصير” “قُل إنَّ ربي يبسُطُ الرزق لمن يشاءُ ويقدرُ ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمون”
  • الحياة متقلبة. اليوم هو ليس نفسه الأمس ولن يكون نفسه بالغد حتى لو اعتقدنا أن أيامنا متكررة.
  • عدم القيام بأمور ليس من عادتي فعلها.
  • عيش اليوم بيومه مثل الطير, دون التفكير المؤرق بالمستقبل.
  • الأفضل جعل العلاقات سطحية مع الجميع, لا بأس بالمعاملة الحسنة لكن بسطحية, التعمق بالعلاقات يفسد كل شيء.
  • السعي بما أستطيع فعله وتسليم جميع الأمور لله, بالنهاية نحنُ مسؤولون عن السعي لا النتيجة, لو كنا نحنُ المسؤولون عن النتيجة اذًا ما الفائدة من السعي؟ “وأن ليس للإنسانِ إلا ما سعى”
  • طالما نحنُ على هذه الأرض البشر لن يتوقفوا عن ظلم بعضهم البعض ويا لها من مأساة, لكن الله يرى ويسمع, والقضاء العادل سيكون يوم الحساب.
  • أن أكون شخصًا يترك أثرًا جيدًا.
  • أخليني حالي حال نفسي.
  • كل شيء يحدث لي فهو خير حتى لو أنني أرى العكس وأنهُ ضد رغبتي, لكن مع الأيام سوف تتضح لي الحكمة وأن الأمر فعلًا كان هو الخير لي, لذلك من المفترض أن أرضى بكل شيء يحدث لي لأن ربي الأعلم بالخير لنا والله لن يكتب على عباده الشر أبدًا “ويدعو الإنسانُ بالشِّرِّ دُعاءهُ بالخير وكان الإنسانُ عجولًا”
  • أحمد الله في السراء والضراء وفي كل وقت وكل ثانية, أحمده على نعمه التي لا تعد ولا تُحصى, أحمده في السراء قبل الضراء, لأن الإنسان يكون في حالة من العمى عندما يكون آمن مطمئن معافى, ينسى أن كل هذه نِعم وليست بديهيات ولن تدوم إلا بالحمد, حتى أبسط الأمور, حتى وجود النهار والليل. “ومن رحمتهِ جعل لكم الليل والنَّهار لتسكُنُوا فيهِ ولِتبتَغوا من فضلِهِ ولعلَّكم تشكرون”
  • ليس كل ما ينقصك تحتاجه. العديد من الأشياء تنقصني لكن هناك العديد من الأشياء ليست بتلك الأهمية, اذا أصبح لدي القدرة المادية على الشراء بالطبع سأود أن أمتلك الأشياء المهمة أولًا. أما بالنسبة للأشياء غير الضرورية اذا فكرت بالأمر أنا بالفعل أعيش بدونها ولا أعاني لأنها تنقصني ليس مثل عدم وجود سيارة مثلًا. لذلك ليس كل ما نظن أنهُ ينقصنا نحنُ بالفعل نحتاجه, خاصةً اذا كان الشخص “على قد حاله” وأبدًا لا ننظر إلى ما لدى الناس وليس لدينا ونقارن “لا تمدنَّ عينيكَ” “ورزقُ ربِّكَ خيرٌ وأبقى”
  • التأجيل يجعل اتخاذ القرارات أكثر صعوبة ومن الممكن أن يؤذي الشخص نفسه.
  • لا أحتاج الى تبرير أي شيء يخصني لأي شخصٍ أبدًا.
  • عدم الثقة بأي أحد, فقط الأصدقاء القدامى وعائلتي.
  • التدبّر في آيات القرآن وقراءة الأدعية والأحاديث النبوية, يهذّب المرء وقلبه.
  •   “واقدر لي الخيرُ حيثُ كان ثم ارضني به”

ختامًا:

“ما يفتحِ اللهُ للنَّاسِ من رحمةٍ فلا مُمسكَ لها وما يُمسك فلَا مُرسِلَ لهُ من بعده”

ملاحظة: بدور اذا قرأتي هذه التدوينة أرجو أن تقرأي تعليقي لك على التدوينة السابقة 💜

2/2022

“I am the interval between what I am and what I am not,
between what I dream and what life has made of me.”

(1)

أشعر أن هذا الشهر يمر ببطء شديد 😓

في الأسبوع الثاني من هذا الشهر حضرت دورة storytelling كنتُ قد سجلت فيها منذ بداية الشهر ولم أرفع سقف توقعاتي بأن يقبلوني لأن الأعداد كانت محدودة, لكن سعدت عندما رأيت رسالة القبول. حضرت اليوم الأول واكتشفت أنني الطالبة الوحيدة بينهم, عندما سألونا لماذا تقدمنا على هذه الدورة الجميع كان يقول أنهم يحتاجون لأن يصبحوا جيدين في هذا المجال كي يستطيعوا التسويق جيدًا لأعمالهم ومشاريعهم وهنالك فئة من الصحفيين الذين يودون أن يجذبوا أكبر عدد من القراء, شعرت “واه الجميع بالفعل لديه أهداف” أما أنا فقط شعرت بأنني سأستفيد منها لم يكن لدي هدفٌ معين, وبالفعل استفدت في اليوم الأول وتعرفت على الأساسيات التي تقوم عليها “سرد القصة” وأيضًا جعلونا نطبق, المدربين كانوا لطيفين جدًا وجعلوني أكسر حاجز التوتر الذي كان لدي بأني لا أود الحديث لأني لستُ معتادة على ذلك, لكن عندما رأيتهم كيف يشجعوننا والجميع بدأ يتحدث ويفتحون الكاميرات أعتقد أن هذا أيضًا أعطاني الشجاعة لأتحدث وأدلي برأيي. لكن مع الأسف لم أستطع حضور اليوم الثاني لأن كان لدي محاضرة في وقت الدورة ): لكن حقيقةً لقد استمتعت وتعلمت أشياء جديدة بحضور ذلك اليوم ✨

(2)

أخيرًا تمكنت من مشاهدة فلم [HOMESTAY] من بطولة كينتو. الفلم بالفعل لديه نسخة فلم أنمي من نفس الرواية شاهدت الأنمي عندما كنت أبلغ من العمر 14 عامًا, لا أستطيع وصف كم هو سوداوي قصة ورسومات وجو, أذكر كيف بكيتُ كثيرًا عندما شاهدته لقد أثر في بشكلٍ كبير في ذلك الوقت. عندما أتذكر أيامي تلك أفكر “لقد عشت حياة ملونة بالفعل” كانت الحياة بسيطة آنذاك. عندما أُعلن أن كينتو سيكون البطل سعدت جدًا وكنت متحمسة كيف سيستطيع ايصال المشاعر وكيف سيكون تمثيله لقصة كهذه خاصةً أنهُ شخصٌ حيوي ومليء بالطاقة ومبتسم طوال الوقت, لقد قام بعمل جيد استمتعت بمشاهدة الفلم وتذكرت الأحداث جيدًا هذه المرة مع أن هنالك اختلافات بسيطة وأيضًا الفلم لم يكن سوداوي بشدة كما كان الأنمي, كانت هنالك بعض المشاهد المنعشة في بداية الفلم عندما لم يكن يتذكر أي شيء حول اكتئابه وانتحاره وكان يعيش حياته يومًا بيوم, أحببت ذلك. لكن النصف الأخير من الفلم كان مؤلمًا وبدأتُ بالبكاء -تضحك-, القصة كانت واقعية جدًا, أعتقد أنها تشرح الكثير من المشاعر التي يواجهها الأشخاص حتى لو لم تكن القصة تشبههم لكن سيكون هنالك شيء سيشعرون أنه يفهمون مشاعره تمامًا “ما أراه رائعًا أنه ستكون نظرة البالغين مختلفة تمامًا عن نظرة المراهقين لهذا الفلم, كل شخص سيراه بلون مختلف” هذا ما قاله كينتو عندما سألوه عن الفلم. أعتقد أن الكاتب أراد أن يوجه رسالة أنه ليس من المفترض على الشخص أن يتخلى عن حياته بسهولة, اذا نظر حوله بشكلٍ جيد سوف يجد أن هنالك أشخاص يحبونه ويدعمونه. أيضًا أن العائلة من المفترض أن تكون علاقتها مترابطة أكثر, أن يحترم الوالدان رغبات وأحلام أطفالهم ويشجعونهم وليس العكس, أن يكون الوالدان متفاهمان أيضًا بدلًا من أن تتحول العلاقة إلى منزلٍ خاوٍ يود الجميع الهرب منه. والعديد من المشاعر والعلاقات الأخرى بين شخصٍ وآخر.

عندما علمت الروح شيرو حقيقتها, تلك كانت الجملة الختامية في تلك اللحظة, كان أكثر مشهد بكيتُ فيه, الجملة تعني الكثير, شعرت أنها موجهة لي خاصة أنني أشعر بأن حياتي ثقيلة جدًا ولا أستطيع العودة الى شخصي القديم أبدًا..لذلك بكيت بشدة. من الصعب أن يفهم هذه الجملة شخصٌ لم يشاهد الفلم. أعتقد أنه سيكون أكثر فلم سأعيد مشاهدته مرارًا لأنني حتى لم أشعر بالوقت انتهى سريعًا. لكن بالطبع الحياة ليست بتلك السهولة أن يستطيع الشخص الخروج من الظلام الى النور في لحظة, لكن أصلي لله أن يمدنا بالقوة وأن ينير ظلمتنا لاكمال هذه الحياة.

(3)

حولت تخصصي الى الترجمة, وكانت لحظة ملء البيانات وتسلميها هي أسعد لحظات حياتي في ذلك الأسبوع. الحمد لله.

(4)

ذهبت لرؤية ابنة خالتي لأنها لا تخرج من المنزل ولا أستطيع رؤيتها كثيرًا, لذلك ذهبت وجلسنا مع بعضنا وخالتي الأخرى وابنتها كانوا في منزلهم لذلك قضينا اليوم كله معًا, وتناولنا الغداء, وتمشينا في الليل, تحدثنا وضحكنا, كان يومًا لطيفًا.

(5)

يزعجني كثيرًا أنني شخصٌ فوضوي لذلك حياتي دائمًا فوضوية, كلما أردت أن أرتب مهامي وحياتي لا أستطيع أن أستمر ليومٍ واحدٍ حتى, وذلك ما يزعجني جدًا, أجد نفسي أضيع الوقت هكذا بدون فائدة, وأتكاسل في اداء واكمال مهامي الدراسية, وأيضًا حتى أصبحت لا أجد وقتًا لفعل ما أحبه كمشاهدة الدراما أو القراءة أو التطريز, وقتي يضيع هباءً, أحتاج حقًا لاصلاح كل هذا لكنني أعاني من الضياع وعدم المقدرة على الاستمرار, وهوس انه سيفوتني شيء ما ان لم أمسك هاتفي… ياللغباء.

ما أوده في هذه اللحظة: الكثير من المال والحلوى وأن يصبح الجو دافئًا عما قريب.

تبدُّل

مضت خمسة أشهر ونصف منذ أن اضطررنا للعودة إلى مصر, يبدو الأمرُ للآن وكأنهُ كابوسٌ طويل صعبٌ الاستيقاظ منه, ترك المكان الذي هو منزلنا الأصلي طوال حياتنا للذهاب والعيش في مكانٍ غريب وقاسي, يالهُ من أمرٍ مؤلم.

حدثت الكثير من الأشياء ولا نزال نحاول التأقلم, لكن أعتقد أنهُ من الصعب التأقلم بعد العيش كل هذه المدة خارج هذا المكان المليء بأشواكِ الصبّار.

(1)

منذ أن قدمنا أنا وأختي نحاول البحث عن وظائف جزئية لكن مع ذلك ليس الأمر بهذه السهولة, وعندما أختي وجدت عملًا في حضانة كان الأمر مرهقًا جدًا والراتب لا يستحق كل هذا الوقت والجهد لذلك استقالت بعد شهرين من العمل, كانت تعمل من التاسعة صباحًا الى السادسة مساءً والراتب في النهاية ما يقارب ال350 ريالًا في الشهر. أما بالنسبة إلي, هنالك مكانٌ يسمى “محطة الأطفال” مكان كبير يلعبون فيه الأطفال يوجد بهِ كل أنواع الألعاب التي تجعل الأطفال يخرجون طاقتهم وتفكيرهم فيها من ألعاب مغناطيسية, تركيبات, أحجيات, جدار المكعبات, كتابة الاسامي بالمسامير البلاستيكية, صناعة السيارات والروبوتات الصغيرة, مسبح كور, متاهات, زلاقات, وما إلى ذلك. توقعت أن الأمر سيكون سهلًا لأنني عندما أرى الفتيات الاتي يعملن فكرت “يبدو أنهُ ليس بتلك الصعوبة” لذلك كنتُ أذهب إلى هناك وأخبرهم أنني أود العمل معهم ولكن بعد الانترفيو كانوا يرفضونني, ذهبت إلى هنالك ثلاث مرات وكلها جاءت بالرفض, في بادىء الأمر لو أنني فكرت بتعقل كنتُ استوعبت أن كل هذا الرفض هو خيرٌ لي الله أعلم به, لكنني مع ذلك عاندت كنتُ أعتقد أن عنادي هذا هو شيء جيد, أنني من المفترض أن لا أستسلم حتى أحصل على الوظيفة. أعتقد أيضًا أنني كنتُ يائسة أفكر في أنني أود الحصول على المال لكي أستطيع دفع رسوم الجامعة والمساعدة ببعض المال في المنزل. في المرة الرابعة عندما رأوني وافقوا وقرروا أن أعمل لمدة ثلاث أيام أولًا بدون احتساب أجر ليروا هل سأكون مناسبة للوظيفة أم لا, كنت سعيدة في البداية خاصةً في اليوم الأول بذلت جهدي لعبت مع الأطفال وتعاملت جيدًا مع الأهالي, وأحبوني الأطفال لذلك شعرت “يبدو أن هذه الوظيفة مناسبة لي” لكن في الحقيقة كانت وظيفة متعبة جدًا يجب على الشخص أن يبذل مجهودًا كبيرًا للتعامل مع الأطفال وخاصة أنهم من عوائل غنية هنالك قوانين عدة للتعامل معهم وأيضًا يجب علينا التحدث باللغة الانجليزية مع الأطفال ومرة بغير قصد تحدثت مع طفل باللغة العربية فقط قلت “شاحنة” بدل كلمة “truck” بالانجليزية ما الذي حدث؟ غضبت والدته وبدأت بفعل حركات كأنها تود أن تطهر سمعه من اللغة العربية صُدمت حينها, كُلهم عرب لكنّهم يودون طمس اللغة العربية والأسلوب العربي من حياتهم وحياة أطفالهم فكرت “ياللقرف” عمومًا انتهت الثلاث أيام بسلام, جسدي كان مرهقًا جدًا لا أستطيع حتى الصلاة بشكلٍ جيد, كل مكان في جسمي أشعر بأنه متصلب وعانيت في النوم, بالطبع الوظيفة ليست فقط اللعب مع الأطفال بل يجب ان نرتب المكان طوال الوقت ونحافظ عليه وترتيب مكانٍ كبير كهذا مع قلة الموظفات شيء متعب والأطفال يحبون تخريب كل شيء لذلك كان صداعًا كبيرًا وزيادة في الآلام. عندما بدأت أيامي الفعلية واستلمت الزي والبطاقة فكرت “سأصمد فقط هذا الشهر وأتركهم, من الصعب الاستمرار طويلًا” لكن استقلت بعد ثلاث أيام من هذه الجملة.

حقيقة إنها من أسوء الوظائف التي مرت علي, اذا وصفتها بكلمة ستكون “استعباد” هنالك شفتان واحد صباحي والآخر مسائي, الصباحي يبدأ في الساعة الثامنة وينتهي عند الرابعة والنصف, والمسائي يبدأ في الثانية مساءً وينتهي عند الحادية عشر والنصف, عملت مرتين في الليل ومرة في الصباح وكلها مرهقة وأيضًا يجعلونك تشعرين أن لا حياة لكِ إلا العمل نعود إلى المنزل مرهقين كل ما نفكر به هو “النوم” وفي النهاية جيد لو استطعتي النوم بشكلٍ كافٍ خاصة أن المواعيد غير منظمة فجأة يرسلون لك غدًا ستأتين صباحًا, غدًا ستأتين مساءًا غدًا ستأتين مساءً مجددًا وفي بعض الأحيان يجبرونك على أن تعملي “دبل شفت” من الثامنة صباحًا إلى الحادية عشر! شيء غير انساني البتة, ووقت استراحتك في العمل هي ربع ساعةٍ فقط ويوم عطلة فقط في الأسبوع. وبعد كل هذا التعب الراتب كم يساوي؟ ما يقارب ال600 ريالًا شهريًا, والعمل دوامين ما يقارب ال750 ريالًا. وفوق كل هذا الوالدات يعاملوننا كأننا خادمات لأطفالهم ونحن لسنا كذلك, ويعاملوننا باستحقار وأسلوبٌ مقرف, فقط لأنهم يشعرون أنهم أفضل مكانة منا لأنهم يمتلكون الكثير من المال وأطفالهم يتحدثون باللغة الانجليزية فقط. حدثت معي مواقف سيئة حقيقةً خلال الثلاث أيام التي عملتها بعد الثلاث الأولى, وفي آخر يوم والذي استقلت فيه, كنتُ متعبة جدًا جدًا ومع ذلك كنت أبذل جهدي وكان المكان مزدحمًا والموظفات قليلات مع ذلك تحملت, لكن بالنهاية بعض الأمهات يفتعلون المشاكل من اللامكان ويذهبون ليشتكوني وأقسم أنني لم أكن أفعل شيئًا فقط أتبع القوانين لكنّهم يودون قوانين تعجبهم هم فقط! وفي نهاية اليوم عندما أصبحت الساعة ال11 عشر وبدأ الجميع يأخذ أطفاله ليستعدوا للخروج من المكان أتت والدة مع طفلتها التي تبلغ من العمر سنة ونصف ارادات ان تتزحلق, ومن المفترض أن الأمهات ممنوعات من دخول الزحاليق والمتاهات مع أطفالهم فقط نحن لذلك صعدت الفتاة لوحدها وعندما وصلت للأعلى ولم ترى والدتها بدأت بالبكاء لذلك أخبرت الفتاة التي كانت في الأعلى لأنني لا أستطيع الصعود لأن مكاني في الأسفل وبعض الأطفال ما زالوا يلعبون, أخبرتها أن تهديها وتحاول أن تتزحلق معها, لكن تلك الأم الحقيرة لم تتبع القوانين وفقط صعدت حتى بدون اذن أخبرتها أنه ممنوع وانا سوف أصعد لها لكنها فقط بدأت بالصراخ ودفعتني, ذهبت خلفها وأصبحت تصرخ أن طفلتها تخاف وما الى ذلك حينها شعرت بالغضب لكن تحدثت بهدوء “اذًا لماذا جعلتيها تصعد؟؟؟” ومن الممنوع ان تكوني هنا فالتنزلي انتِ وطفلتكِ” استمرت بالصراخ علي وقلت “لا تصرخي” بكل هدوء لكنّها شخصٌ مجنون استمرت في الصراخ واهانتي أمام الفتاة الأخرى والأطفال الآخرين الى أن قالت ما اسمك؟ “اخبرتها مرام, اذا ماذا ستذهبين وتشتكين؟ هيا اذهبي لا تنسي اسمي مرام هيا الآن فالتنزلي أمامي وتذهبي لتشتكي” هنالك فتاة اتت واخذت الطفلة لتلعب معها ونزلت الأم وأنا, أنا فقط استمريت في عملي وهي تشاهد طفلتها المدللة بعد أن تزحلقت وأخذتها, وبعد مضي عشر دقائق كنتُ فقط أمنع نفسي من البكاء أمام الأطفال الذين يلعبون والفتيات, وعندما انتهى الدوام وذهب جميع الأطفال ووالديهم الى الأسفل وانطفأت الأضواء في الدور العلوي الذي كنت فيه, حينها أجهشت بالبكاء, ولم أستطع الترتيب معهم, صعدت ركضًا إلى غرفة الموظفين وأنا أبكي, أبكي بحرقة لدرجة لا أستطيع الرؤية أمامي, كنت أبكي بصوتٍ عالي لا أستطيع كتم صوتي بعد الآن, صعدت خلفي الفتيات, لأنهم شهدوا الموقف وكل ما كانوا يقولونه “لم يكن عليكِ الرد عليها, كان يجب عليك البقاء صامتة.” “يجب عليكِ التعود على الاهانات, سيكون هنالك الكثير منهم من الآن فصاعدًا” شعرت بالشفقة عليهم قلت “لا لن أتعود على الاهانات, اذا كنتم ترونها شيئًا طبيعيًا وشيئًا يجب تحمله, فأنا لستُ كذلك.” حينها أتت المانجر ورأت ما يجري وسألت وأخبروها, لذلك خلعت البطاقة وأعطيتها لها وقلت “لن تروني بعد الآن” ذهبت هي لترى ما حدث من خلال كاميرات المراقبة وأخذت أنا حقيبتي وغيرت ملابسي ورميت لهم الزي القبيح لهذا المكان القبيح والمقرف وتركت المكان وأسرعت بالنزول وأنا لا زلت أبكي. عندما خرجتُ من الباب من وجدت؟ تلك المرأة الحقيرة وطفلتها ومن شدة غضبي وحزني على نفسي قلت في وجهها “طز فيكِ انتِ وبنتك” وأكملت طريقي. طوال الطريق من هذا المكان إلى المنزل كنت أبكي بحرقة, أبكي بصوتٍ عالٍ, أقسم أنني لم أبكي هكذا في حياتي, لا أستطيع وصف مشاعري في ذلك الوقت, تراكمات كل الشهور الماضية, تفكيري في رسوم الجامعة التي يجب علي سدادها قبل شهر يونيو القادم, وتفكيري كيف أننا نعاني من الديون, وتفكيري في والدي في المدينة الذي لم يعد لديه عمل ولا يوجد معهُ أي مال, حتى أنهُ لا يوجد مال ليشتري لهُ طعامًا, أحيانًا أصدقائه يحضرون لهُ طعامًا, واذا تيسرت أموره يشتري خبز وجبن ليأكل, لا يستطيع دفع فواتير الكهرباء والمال والسكن وحتى الهاتف, لكن الحمد لله ربي لطيفٌ بعباده يُسخر له الطيبين من الناس. بالتفكير في كل تلك الأمور ومع أننا كيف تحولنا من حالٍ إلى حال, وأنني اضطررت لإهانة نفسي هكذا فقط لم أستطع التوقف عن البكاء بشدة وبصوتٍ عالٍ كالطفل الصغير, لكن في النهاية لن يوجد هنالك من يحتضنني ويعطيني حلوى أو لعبة كي أهدأ ويخبرني أنهُ لا يود أن يراني حزينًا.

(2)

بعد ذلك اليوم, استطعت النوم جيدًا أخيرًا, وبشرتي وجسدي بدأوا بالتحسن لقد مر أسبوع لذلك أصبح الوضع لا بأس به. استطعت العودة لروتيني الطبيعي ورؤية عائلتي حتى هم قالوا “لقد اشتقنا لازعاجك” -تضحك- أيضًا عدت لأحضر محاضراتي بشكلٍ جيد وأدرس, لم يكن لدي وقتٌ كافٍ حينها كنت أنتهي من الجامعة وأتجه مباشرة إلى العمل إلى الليل لقد كان الأمر مرهقًا عندما كنت لا أستطيع النوم إلا أربع ساعات, مع أنهم فقط 6 أيام إلا أنهم أثروا على جسدي بشكلٍ سلبي حقيقةً.

بعد ما حدث, تعلمتُ أمرًا, عندما يُغلق بابٌ أمام الشخص أكثر من مرة اذًا ليس عليه محاولة فتحه مجددًا لأنهُ ليس كل ما نعتقده أنه مناسبٌ لنا فهو كذلك. أيضًا يجب عليه التفكير أن الله أراد أن يمنعَ شرًا عنه, هذا ما حدث لي لكنني عاندت إلى أن استوعبت الأمر, من البداية لم يكن الأمر فيه خيرًا لي لكن البشر هكذا يعتقدون أنهم من يتحكم في كل شيء وأنهم يعلمون ما هوَ أفضل لهم. كذلك ليس كل ما هو ظاهرٌ لنا من الخارج فهو كذلك في الداخل, عندما كنت أشاهد الفتيات وهم يعملون كنت أظن أنها وظيفة سهلة وليس بها الكثير من التعب وأنهم لا يعملون كل هذه المدة, لكن اتضح لي العكس كلهم يعانون من الاجهاد ويتمنون لو يستطعن الاستقالة لكنه مصدر رزقهن.

ملاحظة: تلك السيدة المجنونة لم تجرأ على أن تشتكي علي لأنها تعلم أنها هي المخطئة وأنهم سوف يخبرونها أنها من خرقت القوانين, يالها من جبانة.

(3)

هنالك دعاء وقعت عليه عيناي وواساني كثيرًا هذه الأيام

اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.”

حيوات افتراضية

بينما كنتُ أدرس وأتناول الشاي بالحليب تذكرت تدوينة مها “سبع حيوات افتراضية” وقررت أنهُ بعد الانتهاء من المذاكرة سأكتب تدوينة عن الحيوات الافتراضية التي أود عيشها أنا أيضًا لأن الموضوع قد أعجبني.

كشخص يحب تجربة العديد من الأشياء فلدي العديد من الخيالات وليست سبعة فقط -تضحك-

(1)

مقدمة راديو:

الحياة الأولى أنني مقدمة راديو برنامجها يبدأ في الساعة الثانية عشر صباحًا يستمع إليه الأشخاص المستيقظين لوقتٍ متأخر مهما كانت أسبابهم كعدم مقدرتهم على النوم, المسافرين, أو الذين لديهم مهمات عليهم انجازها فبقوا لوقتٍ متأخر. والضيوف سيكونون أشخاص النقاشات معهم مثيرة للاهتمام وقد تعطي السامع أفكار ومعلومات جديدة لم يسمع بها من قبل.

سأستضيف رغد لنتحدث حول اليابان, الأنماط, ونتناقش حول الثقافة والفن وبالطبع ستكون هنالك الكثير من الأحاديث المضحكة في المنتصف.

سأستضيف رهام لنتحدث عن عالم اللغة والأشياء المثيرة للاهتمام التي لا يعلمها الكثير من الأشخاص عن اللغة واللغويات, وأيضًا لنتحدث بعض الأحاديث من نوع “هل نحنُ وحدنا؟” -ضحكة-

سأستضيف حصه ونتحدث عن الكتب ومراجعتها وتقييمها كي نعطي السامعين توصيات عن كتب متنوعة.

سأستضيف صفاء ووجدان ليتحدثوا عن صنع الحلويات ويعطوا أفكار للتزيين وصنع جو لطيف للاحتفال بالمناسبات العائلية والأعياد.

وسأستضيف تشومسكي أيضًا.

(2)

فارسة:

فارسة ماهرة ترتدي زي الفروسية ولديها خيلٌ أسود جميل وسريع, أعتني به وأمتطيه وقتما شئت.

(3)

مترجمة فورية واقتصادية:

مترجمة فورية واقتصادية من وإلى اللغة الإنجليزية, اليابانية, العربية, والإيطالية. مترجمة فورية لشركة جوني وشركاؤه -تضحك-

(4)

كاتبة قصص:

كاتبة قصص قصيرة أعيش في قرية هادئة في منزلٍ خشبي رائع ذو طابقين وأرجوحة في حديقة المنزل المليئة بزهر القرنفل والريحان, أخبز المخبوزات المحلاة وقت فراغي وأشاركها مع أهالي القرية وأطفالهم.

(5)

مصممة أزياء:

مصممة أزياء لديها متجر على الطراز الكلاسيكي تُباع فيهِ الملابس ومقهى في نفس الوقت. يأتي الأشخاص لشرب القهوة أو الشاي بالحليب وتناول كعكة الليمون والتوت وتأمل جمال أزياء المتجر والشراء منه, ستوضع الملابس في صندوق يتم تغليفه بشكلٍ لطيف ورسالة لطيفة مني.

(6)

مالكة مكتبة:

مالكة مكتبة صغيرة توفر الكتب النادرة.

(7)

متذوقة:

متذوقة تعمل في متجر للحلويات والمثلجات.

(8)

ممارسة لفن الزهور:

أمتلك غرفة واسعة في المنزل وأمارس فيها فن الزهور الياباني كهواية لتصفية الذهن.

(9)

مرشدة سياحية:

مرشدة سياحية للمناطق التاريخية في كيوتو.

(10)

سبّاحة ألومبية.

(11)

عارضة أزياء للملابس الكلاسيكية والريفية.

(12)

متطوعة تعلم الأطفال في المناطق الفقيرة والمنكوبة.

(13)

متطوعة في مشفى لسرطان الأطفال تغني وتلعب معهم.

(14)

مصممة مسارح.

(15)

تعمل في شركة ألعاب للأطفال.

(16)

وأخيرًا قادرة على السفر وقتما شئت إلى أي مكان وأزور كل الأماكن الجميلة في هذا العالم.

حسنًا ثرثرت كثيرًا لدي أكثر من هذا في خيالي لكن لنتوقف هنا بالطبع كلها خيالات لكن كان من الممتع الكتابة عنها, وأرجو أن أستطيع تحقيق حياة أو اثنتين على أرض الواقع على الأقل.

شهر مارس ولقاح كوفيد19

شعرت بأن شهر مارس طويلٌ جدًا, شعور بأنه لم تحدث كثير من الأمور لكن حدثت كثيرٌ من الأمور بالفعل حتى لو شعرت أن الأيام لا تختلف عن سابقها.

في هذا الشهر قابلت اثنان من أصدقاء المرحلة المتوسطة, واحدة قد تزوجت وأنجبت فتاة لطيفة عندما كنا في المرحلة الثانوية تخرجت من الجامعة أيضًا والآن ابنتها ستبدأ عامها الأول في المدرسة العام القادم ان شاء الله, والأخرى تخرجت من الجامعة العام الماضي وعادت الى المدينة وهي تعمل الآن. وعندما حدثوني عن باقي الزملاء في المرحلة المتوسطة وشاهدت مقاطع فيديو لهم, كل شيء قد تغير بالفعل. دائمًا ما أشعر أن الحياة غريبة وعندما نقابل أشخاص لم نقابلهم من فترة طويلة نشعر بأن الحياة قد مرت سريعًا وكل شيء تغير, لكن سعيدة أن هاتين الصديقتان لم تتغيرا, تحدثنا, ضحكنا, رقصنا كأننا كنا بالأمس مع بعض لطالما أحببت شخصيتهما أكثر من باقي الزميلات لذلك أشعر بالراحة معهن حتى لو تقابلنا بعد سنواتٍ عدة. مع ذلك شعرتُ بأنني الوحيدة التي بقيت في المنتصف, أشعر بأن فترة البقاء في المنتصف طويلة, طويلة جدًا الجميع يتحرك لكنني ما زلت في المنتصف حتى أنهُ لم يعد هنالك نقطة عودة بعد الآن. أفكر كثيرًا في هذا الأمر, كانت قراراتي خاطئة منذ البداية بالفعل, كنتُ متخبطة كثيرًا, أتخذ قراراتي بدون أي تفكير, حسنًا لطالما كنتُ شخصًا هكذا لا أفكر بقراراتي أو أضع خططًا لطالما فعلت ما أود فعله باليوم فقط حتى انتهيتُ من الثانوية, لكني لم أعلم أن الأمر سيكون مختلفًا تمامًا عن مراحل طفولتي ومراهقتي لأنه يتوجب على الشخص هنا أن لا يمشي فقط هكذا بدون هدف أو التفكير جيدًا في القرارات التي سيتخذها. منذ طفولتي كان لدي حلم لكن هذا الحلم لم يتحقق (بعد العديد من السنوات سعيدة أنه لم يتحقق) لذلك عندها شعرت بأنني فقدت نفسي لأنني لم أكن شخصًا يضع خططًا بديلة أو فكر بأن الحياة لا تسير كما يود الشخص أن تكون, لذلك وجدت نفسي لا أعلم من أنا وماذا يمكنني أن أفعل ما المميزات التي أمتلكها, ما الأشياء التي أميل لها أكثر, لم أفكر بشيء كان تفكيري ضيقًا جدًا وهذا ما أندم عليه في كثيرٍ من الأحيان. سأكمل عامي الثالث والعشرون هذه السنة وبسبب فقط عدم اكمالي للدراسة هذه السنة بدأت باكتشاف الكثير من الأمور الرائعة لدي, اكتشفتُ أنني شخصٌ يتعلم سريعًا, يستطيع اكتشاف أشياء جديدة وتصبح لديه معلومات عن عدة أشياء مختلفة, وأيضًا اذا أعطيتُ لنفسي فرصة فأنا سأبدع فيما سأفعل ولن أستسلم حتى النهاية. لكن شعرت بأنه شيء لا فائدة منه أنني اكتشفت هذه الأشياء بالوقت الذي أنا مقيدة به من كل الاتجاهات ولا أستطيع فعل أي شيء ومن جهة أخرى شعرت بأنه شيء جيد أنني اكتشفت هذه الأمور كي أستطيع الاستفادة منها لاحقًا عندما تتحسن أوضاع العائلة وأكون قد فهمت نفسي أكثر.

لا أحب المقاهي النسائية حلواهم ومشروباتهم لا تكون لذيذة البتة, ديكوراتهم أيضًا لكن هذه المرة اضطررنا للذهاب الى واحدٍ منهم بسبب زوج صديقتنا لديه قوانين غريبة…لكن لا يهم سعيدة فقط أنني استطعت رؤيتها لفترة قصيرة.

ابنة الجيران الذين نعرفهم منذ الصغر ستتخرج من المرحلة الثانوية لذلك صنعت لها وشاحًا صوفيًا أو لا أعلم ما يسمى, لا أعلم أين قررت الذهاب للدراسة لكن أعتقد أنهُ سيدفئها في الشتاء سواء في المنزل أو عندما تذهب للخارج, أخبرتني أنها تحب اللون الأسود لذلك استخدمت اللون الأسود, أرجو أن تتخرج على خير وأن يكون لديها مستقبلٌ مسالم.

أخذت لقاح كوفيد19 أنا وعائلتي. إن الحياة تمضي بسرعة حقًا اللقاح الذي كنا نسمع عنه فقط وأنهُ ما زال في طور التجارب أصبح الآن في جميع العالم وبدأ الأشخاص بأخذه كتطعيم. أخبرونا في المشفى أنه سيكون هنالك أعراض مثل أي تطعيم, حمى خفيفة, صداع, ألم في أنحاء الجسد, وألم شديد في اليد في منطقة الابرة. لكن عندما عدنا الى المنزل لم تظهر علينا أي أعراض وكنت أعتقد أنني قوية حتى لو ظهرت بعض الأعراض على عائلتي فأنا سيمر الأمر بخفة ولن أصيب بشيء لكن يجب على الشخص ألا يغتر بنفسه -تضحك- عندما حل منتصف الليل بدأت علي الأعراض أصبت بالحمى وكنت أرتعش من البرد, أشعر بألم في حلقي, صداع, وأشعر بأني (مكسرة) لقد كانت ليلة قاسية جدًا لم تنخفض الحرارة ولم أستطع النوم وكان أصعب شيء اذا احتجت الذهاب إلى دورة المياه, لم أكن أستطيع موازنة نفسي ولم أستطع شرب الماء حلقي كان يؤلمني بشدة. عندما دخل اليوم التالي أيضًا لم تنخفض حدة الأعراض وبقيت في السرير إلى أن شعرت بأنني سأموت من الحرارة لذلك قررت بذل جهدي وأخذ دش بارد سريع, أخذته سريعًا وشربت مسكنًا وعدت الى السرير, لم أستطع تناول أي شيء كنتُ أشعر بغثيانٍ شديد وجسدي الذي يؤلمني بشدة لكنني استطعت النوم قليلًا بعد الدش البارد ولله الحمد, وعندما استيقظت في الليل كانت قد اختفت الحمى لكن بقي الغثيان والدوار وألم شديد مكان الابرة. بعد عدة أيام عدت مرام الطبيعية ولله الحمد واستطعت النوم جيدًا في الليل شعرت بأنه بالفعل لا شيء يساوي أن يكون المرء بصحة جيدة. لم أصب بالحمى منذ زمن طويلٍ جدًا, أعتقد آخر مرة عندما كنت في المرحلة المتوسطة لذلك كان شعورًا سيئًا جدًا, لا أعلم اذا سأواجه نفس الأعراض عند أخذ الجرعة الثانية أم لا لكن أرجو لا حقًا لا أود الخوض خلال هذا الألم مرة أخرى..

حذفت حسابي في التويتر نهائيًا ولم أعد أدخل الى الانستقرام, أشعر بالملل من كل شيء هذه الأيام لا أشعر بأنني أود رؤية أحد أو التواصل مع أحد أو معرفة ما يدور في هذا العالم.

السنتين الأخيرتين لم أعد أفهم نفسي, يزداد الضغط النفسي في كل مرة لدرجة أنه في بعض الأحيان يتوقف دماغي عن العمل يصبح نقط نقط نقط مجرد بالونة هواء, شعور عدم القدرة على البكاء هو أيضًا سيء خاصة اذا امتد لوقتٍ طويل. مرت فترة طويلة وأنا أشعر بالوحدة.

من المتوقع أن رمضان سيكون في الثالث عشر من ابريل ان شاء الله, أرجو أن يأتي شهرنا الجميل وهو محمل بالخيرات على النفس والحال وأن تتجدد فيه أرواحنا وأحلامنا آمين.

بياض

لطالما كرهت الذهاب إلى قرية والداي في إجازة الشتاء, انها فارغة من كل شيء ولا يوجد لدي أصدقاء هناك وددت لو نبقى في المدينة وأن ألعب مع أصدقائي بألعاب الفيديو. الطريق إلى تلك القرية طويل وبارد وهذه المرة الأولى التي يتساقط فيها الثلج بغزارة هكذا. توقفنا عند محطة صغيرة للاستراحة قليلًا, أختي الكبرى ظلت على هاتفها طوال الوقت وأنا قررت الذهاب للمشي قليلًا “لا تبتعد كثيرًا يا ليون وانتبه لطريقك الثلوج خطيرة” قالت والدتي.

بينما كنت أمشي وجدتُ شجرة وحيدة تغطيها الثلوج أسفل التل لكن كان هنالك جذعٌ تقف عليه بومة رمادية اللون لكن كان هنالك شيءٌ غريبٌ بها, عيناها لم تكن طبيعية كانت زجاجية كأنها عمياء, كانت تحدق في وجهي طوال الوقت لم تلتفت أبدًا, لأكون صريحًا لقد شعرتُ بالخوف لذلك قررت العودة لكن حينها تعثرتُ وانزلقت وتدحرجت إلى أسفل التل لقد آلمني ذلك بشدة لكن حاولت النهوض. حينها وجدت كوخًا صغيرًا وتقف تلك البومة على نافذته, تفاجأت وعندما نظرتُ حولي لم أجد شيئًا حولي غير البياض حتى تلك الشجرة قد اختفت, فقط الكوخ والبومة “أهلًا بكَ أيها الفتى” صدر ذلك الصوت من البومة شعرت بالقشعريرة حينها وظللت واقفًا في مكاني, “لا تخف انني بومة مميزة أستطيع التحدث مع البشر.” فكرت كيف لا يمكنني الخوف وأنا أرى طائرًا يتحدث.

“لماذا لا تدخل الى الكوخ الجو بارد في الخارج, أيضًا سيدتي تريدُ التحدثَ معك.”

“سيدتك؟”

حينها تنحّى قليلًا عن النافذة ورأيتُ فتاة صغيرة يبدو أنها في نفس سني مستلقية على فراشها وترتدي قبعة رمادية اللون ويغطيها لحافٌ سميك, ابتسمت لي ابتسامةً لطيفة. “ما الذي تريده مني يا تُرى” قلت في نفسي.

حينما دخلت أُغلقَ الباب ورائي بشدة تفاجأت قليلًا لكنني لم ألقِ لذلك بالًا, كان الكوخُ حارًا جدًا ليس دافئًا ولكن حار تساءلت كيف يمكن لشخص أن يتحمل هذه الحرارة, حينما اقتربتُ قليلًا من الفتاة وجدت وجهها أحمر “ألا تشعرين بالحر؟؟”

“جسدها دائمًا بارد ولا تستطيع الذهاب الى الخارج بسبب هذا لذلك تبقى مستلقية في هذا الكوخ ذو درجة الحرارة العالية.” قالت البومة

التفت يمينًا ويسارًا “لكن أين والداك؟”

لكن لم يأتني جواب لا من البومة ولا من الفتاة, بدأت أسمع أصوات خافتة لأقدام تضرب على السقف “اذًا هنالك آخرين يعيشون هنا.” قلت في نفسي

لكن هذا غريب لا أسمع أي أصوات غير ضرب الأقدام

“اذًا ما الذي تريدينه مني؟”

ظلت الفتاة والبومة يحدقان في صمت

“تعلمين يجب علي العودة الآن لقد تأخرت على عائلتي, سوف أذهب.”

حينما ذهبت لأفتح الباب لم أستطع حاولت مرارًا لكن كل المحاولات بائت بالفشل “لن تستطيع الخروج من هنا أيها الفتى لقد فات الأوان, حتى لو استطعت الخروج فليس هنالك طريقٌ للعودة وكُلهَا دقائقُ معدودة وينسون أمرك. عائلتك, أصدقائك, زملاء صفك, معلموك, الجميع سوف ينساك وسوف تكون شيئًا لم يوجد قط في حياتهم.”

“ما هذا الهراء الذي تتفوهين بهِ!!” صرخت وبدأ الخوف يتسلل الى نفسي وعاودت المحاولة لفتح الباب وأنا أصرخ “النجدة, النجدة”

حينها صدرت ضحكة بصوتٍ أشجٍ شنيع كان يصدر من تلك الفتاة, التفت ببطء وجدت أن وجهها تحول إلى وجهِ وحشٍ مخيف وعينانِ زجاجيتان مثل عينا البومة, وفجأة انطلقت نحوي البومة بشكلٍ مخيف وسريع, ركضت بسرعة نحو الدرج, في محاولة الصعود بسرعة انزلقت قدمي وسقطت على رأسي.

حينما فتحت عيناي رأيتُ السماء, نهضتُ بسرعة لكن شعرتُ بألمٍ شديد في رأسي, التفت حولي كل شيء كان أبيض تمامًا هذه المرة حتى الكوخ قد اختفى قاومت ألم رأسي وبدأت بالركض لكن شعرتُ أنني أركض في دائرة. كل شيء أبيض لا يوجد أي شيء غير البياض لا أرى أي إشارات على أنه يوجد حياة أو مخرجٍ هنا. شعرتُ باليأس “يبدو أن الجميع قد نساني بالفعل, لا أحد سيأتي للبحث عني.” جلست وضممت الي ركبتاي وبدأتُ بالبكاء, حينها سمعت صوتًا يناديني “ليون” “ليون” “ليون” كانت تزداد الأصوات في كل مرة حتى لاحظت أنها أصوات عائلتي, والدي, والدتي, وأختي الكبرى. نهضتُ بسرعة وبدأت أتبع الصوت, كان هنالك ضباب شديد وكان مصدر الصوت منه قررت الركض بأقوى ما لدي والدخول خلاله وفجأة لم أعد أشعر بوعيي وسقطت.

كانت لا تزال أصواتهم تناديني لكنني شعرت بقربها أكثر, فتحت عيناي فجأة ورأيتُ سقف سيارتنا هذه المرة عندما التفت وجدت عائلتي حولي وضعت كفاي على وجهي وبدأت بالبكاء لقد شعرت بالراحة لرؤيتهم. احتضنتني والدتي “أنا سعيدة أنكَ بخير, ألم أخبرك أن تكون حذرًا أيها الغبي لقد قلقنا عليكَ بشدة حينما ذهبنا للبحث عنك ووجدناك قد سقطت إلى أسفل التل.”

“أنا آسف” قلت

“لا بأس الآن المهم أنكَ بخير, حينما نصل الى القرية فلنذهب الى المشفى لنتأكد أن جسدك بخير.” قال والدي

أومأت.

أختي الكبرى لم تتكلم لكن فقط كانت تنظر لي بهدوء لطالما كانت غير جيدة في التعبير عن مشاعرها لكنني أستطيع فهمها لذلك ابتسمت لها مع دموعي التي لا زالت عالقة في عيناي ورفعت لها ابهامي دالًا على أنني بخير.

تحركنا مجددًا وكنتُ أنظرُ من النافذة ولاحظت العديد من البومات الرمادية على الأشجار, تساءلت اذا ما كان هذا كلهُ حلمًا أم أنني قد مررتُ بهذا كله. لكن الذي كنتُ متأكدًا منه أنهُ لن أكون سعيدًا أبدًا إذا تُركتُ وحيدًا.

تمت

مشاعرُ عالقة 🎠

منذ فترة وأنا أود بشدة لو أستطيع ركوب دوامة الخيل تلك اللعبة المبهرة في مدينة الملاهي. كانت لعبتي المفضلة عندما كنت في المرحلة الابتدائية، مدينة الملاهي التي كنا نذهب لها دائمًا أذكر كيف أنها كانت تمتلك دوامة خيلٍ لطيفة متوسطة الحجم، أضواءها كانت تجعلني سعيدة وبها موسيقى منخفضة عندما تبدأ بالدوران. كنّا نذهب دائمًا بعد صلاة العصر ولم أكن أحب ركوبها وما زالت الشمس موجودة لذلك كنتُ ألعب مع أخوتي جميع الألعاب وعندما يقول والدي حسنًا لديكم لعبة أخيرة قبل الذهاب لأنه حان الوقت للعودة، لذلك دائمًا ما كنتُ أختار “دوامة الخيل” يكون الجو قد أظلم وبدأت الألعاب بإنارة أضواءها لكن اللعبة الوحيدة التي كانت أضواءها خلابة في منتصف الجو المظلم كانت هيَ. أعتقد أنها أصبحت روتينًا بالنسبة لي عندما كنتُ في تلك المرحلة كلما ذهبت كانت هي اللعبة الأخيرة التي أركبها قبل العودة إلى المنزل. لكن في الصف السادس أُزيلت مدينة الملاهي تلك، حزنّا كثيرًا مكاننا المفضل قد اختفى، وفي المرحلة المتوسطة حتى مدن الملاهي الأخرى التي كانت موجودة بدأوا يزيلونها واحدة تلوَ الأخرى، لا أعلم لماذا لكن أشعر أن الوضع هكذا دائمًا “لماذا نحتاج أن ننشأ أماكن ترفيهية في المدينة؟”

لكي أكون صادقة إنه شيء يثير اشمئزازي لماذا يفكرون فقط أن الترفيه هو تناول الطعام والمقاهي؟؟ لقد اكتفينا من ذلك لا أعلم متى سيتغير هذا التفكير. وبالنهاية كل الأشياء الترفيهية لا توجد سوى بمدينتين أو ثلاثة بينما باقي المدن لا شيء سوا أشياء معدودة وتكون مناسبة للأطفال فقط. حتى الأرجوحات العادية التي كنت أجدها في الحدائق العامة وأحب ركوبها قد بدلوها بمقاعد تناسب الأطفال الصغار فقط، يا للهول تعلمون إن الأرجوحات والألعاب ليست فقط للأطفال كم هذا مزعج. حسنًا فقط أرجو أن أستطيع ركوب دوامة الخيل مجددًا في يومٍ من الأيام إن شاء الله.

تعلمون ماهي أكثر مدينة ملاهي أود زيارتها؟ Universal Studios Japan أذكر كيف شعرت بالانبهار عندما شاهدتها أول مرة منذ ستِ سنواتٍ تقريبًا في برنامج ياباني، وكيف عندما علمت بالميزانية المهولة التي أنشأوا فيها تلك المدينة، إنها حقًا رائعة يوجد بها كل شي وأكثر ما أود تجربته ارتداء ملابس هاري بوتر والذهاب إلى ذلك العالم الذي أنشأوه مماثلًا لسلسلة الأفلام تمامًا من أطعمة، وحلوى، الديكورات، محطة القطار، القلعة من الداخل والصور المعلقة على الجدار، وعندما تذهبون لشراء العصا السحرية وكيف أنها ستختارك مثلما في الفلم. لا أستطيع وصف كيف أن تلك المدينة بالفعل رائعة ومبهرة. هنالك الكثير من الأماكن الترفيهية التي أود زيارتها في اليابان، هل يا تُرى سأذهب إلى هناك مرةً في حياتي؟ لا أعلم لكنني سأنتظر من الممكن أن تأتيني فرصة.

بعيدًا عن الألعاب هنالك شيء أفكر بهِ كثيرًا هذه الأيام. كيف أن علاقات البشر ومشاعرهم شيء معقدٌ جدًا. أشعر أن الجميع يستطيع أن يعبر عن سعادته بشكلٍ طبيعي، يستطيع أن يشارك هذه السعادة مع من يحب بدون تردد، لكن عندما يأتي الأمر إلى مشاعر الحزن فالأغلب لن يشارك حزنه، لن يعبر عنه، وأوقاتٌ كثيرة من المستحيل على الشخص الذي أمامه أو يعرفه أو يحدثه أن يعرف أنه حزين أو أنه يمر بشيء غير جيد.

أحيانًا أشعر أن الأشخاص الذين يستطيعون التعبير عن حزنهم والتحدث عما يضايقهم أشخاص محظوظين، وأيضًا الأشخاص الذين يأتي لهم الأشخاص ليتحدثوا إليهم والذين يمتلكون ما يستطيعون قوله للطرف الآخر. في الحقيقة لا يزعجني الأمر كثيرًا بأنني لا أستطيع إظهار حزني أو التحدث عنه لشخصٍ آخر في أمرٍ يخصني في النهاية أعلم أنني سأتجاوز الأمر لوحدي، ما يزعجني عندما يتعلق الأمر بحزنِ شخصٍ آخر، أقف عاجزة عن فعل أي شيء للطرفِ الآخر أو حتى قول أي شيء له فقط أصمت، أكون حزينة جدًا لدرجة أنني فقط أصمت، “أنتِ باردة ولا تهتمين بأمر أحد” دائمًا ما يُقال لي هذا في الحقيقة لا أعتقد بأني باردة أنا فقط لا أستطيع إظهار مشاعري بشكلٍ جيد. الأشخاص يعتقدون أنني عندما أصمت هذا يعني أني لا أكترث للأمر لكن أنا بالفعل مكترثة لكن لا أستطيع فعل شيء غير الصمت أعتذر لذلك.

وبسبب ذلك ولا لمرة واحدة كنتُ خيار شخصٍ ما بأنهُ يود التحدث إلي في أمرٍ يضايقه أو يحزنه سأكون الشخص الأخير الذي يعلم عن الأمر بواسطة أشخاصٍ آخرين كانوا هم من تحدث لهم ذلك الشخص حتى لو أنني كنتُ قريبة منهُ أكثر. حسنًا لا ألومهم على ذلك. لكن فعلًا كل ما يحزنني هو أنني لن أستطيع فعل شيء لذلك الشخص ولن أستطيع قول شيء يربت على قلبه. بعضُ الأشخاص سوف أستطيع التعبير عن اهتمامي لهم بأنني سأحاول صنع شيء لذيذٍ لهم “أرجو أن تكوني بخير” لكن بالنسبة للأشخاص الذين لا أستطيع رؤيتهم هذا ما يسبب لي ألمًا أكثر. أيضًا هنالك أشخاصٌ قريبون مني لكن أشعر أنهم مثلي حتى عندما يودون الحديث فقط سيفكرون “ليس وكأن أحدًا سيهتم لما يحدث من أمورٍ غير جيدة في حياتك.” “لا حاجة لإزعاجهم بأمرٍ كهذا.”

حسنًا أنا عندما لا أخبر أحدًا بالذي أمر فيه لأنني لا أود لأحدٍ أن يشعر مثلي “كم هذا مؤسف أنا لا أستطيع فعل شيء لها.” وفقط يبقى هذا الشعور الثقيل ولأني أيضًا أيضًا أستطيع أن أتجاوز تلك الأمور ولذلك أصبح على ما يُرام لذلك أشعر بأنه سيكون من المحزن إذا جعلتُ شخصًا يقلقُ من أجلي. أفكر في الأشخاص الذين كيف كانت كلمة واحدة ستحدث فرقًا لكنني صمت. أعتذر لذلك، لكن لأكون صادقة بعض الأحيان أفكر أنني فعلت الصواب عندما أصمت لأنني لستُ جيدة في التعبير عن مشاعري بشكلٍ صحيح ستكون شيئًا عشوائيًا ومن الممكن أن أقول شيئًا غبيًا كما أفعل في الأمور المعتادة، أعتقد أنني أصبحت فقط أصمت لأن هنالك أشياءٌ قد قُلتها في الماضي وفُهمت بشكلٍ خاطئ ولم أستطع تصحيحها بالشكل المناسب وانتهى الأمر بندمي.

تذكرت كيف أنه يُقال لي كثيرًا “أنتِ لا تصلحين أبدًا للعلاقاتِ العاطفية.” أظنُ ذلكَ أيضًا أظنُ أنها ستصبحُ كارثة -تضحك- حسنًا لا أعلم كيف تحول الأمر من التحدث عن دوامة الخيل إلى هذا الأمر -تضحك- فقط أردت أن أكتب ما يتعلقُ بهذا الأمر هنالك بعضُ الأشخاص الذين أود منهم قراءته مع أنني لم أستطع شرح ما أود إيصاله جيدًا لكن أعلم أنهم سيفهمون قصدي.

أرجو أن يكون الجميعُ على ما يُرام، وأن يتجاوزوا الأمور الغير جيدة، وأن يستطيعوا أن يعبروا عما يشعروا بهِ بدون ندم.

دوستويفسكي يقول “إن من المستحيل أن يعرف المرءُ إنسانًا معرفة صحيحة حتى بعد أن يعاشره سنينَ طويلة.” أتفق معه في النهاية لا أنا التي ستكون على معرفة تامة بالشخص ١٠٠٪؜ ولا الشخص الذي أمامي سيعرفني معرفة تامة ١٠٠٪؜ ستكون هنالك أشياء لن نستطيع البوح بها ولكن هذا لن يقلل من قُربنا لبعض يكفي أنني بالتحدث أو سماع صوت صديقٍ أحبه أو رؤية وجهه يجعلني أشعر “أريد الاحتفاظ به داخل قلبي دائمًا.”

مجددًا أرجو أن يهتم الجميع بصحته جيدًا جسديًا ونفسيًا.

صباحُ الخير☀️

نكهة

جربت عدة نكهات خلال هَذينِ الأسبوعين. حسنًا أعتقد أن كلمة “عدة” تدل على الكثير بعض الشيء لكنني في الحقيقة لم أجرب كميات كبيرة من الأشياء لذا هل نقول جربت بعض النكهات؟ أعتقد أن ذلك مناسب أكثر -تضحك-

من توصية صديقة في التويتر جربت عصير البرتقال والأناناس من شركة فلوريدا ناتشورال, حسنًا لا أستطيع القول أنني أحببتهُ بالفعل لكن كان لا بأس به, أحسستُ أن هنالك طعمٌ غريب بين هاتينِ النكهتين لذلك لم يرُقني كثيرًا -تضحك- من هذه الشركة أيضًا جربت نكهة البرتقال والجريب فروت والليمون وأستطيع القول أن الليمون هو الفائز بالمركز الأول بالنسبة إلي, حسنًا الليمون دائمًا هو الفائز لدي في كل الحالات -تضحك- 🍋💛

جربت نكهة الكراميل لاتيه من شركة نسكافيه, لم تعجبني أبدًا أبدًا, كنتُ متحمسة لتذوقها لأنها بنكهة الكراميل لكنني كنتُ خائبة الأمل لم تكن لذيذة أبدًا ومعدتي آلمتني بشدة لمدة يومين لأنني اضطررتُ لشربها كاملة -تضحك-

جربتُ أيضًا نكهة “دبل تشوكو موكا” أستطيع القول أنها كانت أفضل نكهة جربتها حتى الآن أعجبتني جدًا, أحببت الطعم الغني بالشوكولا استمتعت بشربها حقًا وأيضًا رائحتها كانت لطيفة اذا كنتم تحبون التجربة والشوكولا فجربوها 💜🍫💜

الآن لننتقل الى الأطعمة. جربت نكهة الشوكولا الداكنة من شركة Toblerone أيضًا لم تعجبني تمامًا كان يوجد بها طعم غريب وأيضًا بها نوع من المكسرات, كما تعلمون أنا شخص يحب السكريات جدًا لكن إذا أتينا للشوكولا فأنا أفضّل الشوكولا الداكنة. منذ أن كُنتُ في المرحلة الابتدائية وأنا أحب تناولها جربت أنواع مختلفة لذلك أستطيع أن أقول أنه لا شيء يُضاهي الشوكولا الداكنة بدون أي إضافات وتكون نسبة الكاكاو بين 80% و90% أما بالنسبة للشوكولا الداكنة ذات نكهات أو مكسرات فأنا بصراحة لا أفضّلها أشعر بأنها تفسد مذاق الكاكاو الداكن الرائع. هل أريد تجربة نسبة ال100%؟ بالتأكيد لكن لا أعلم متى سأجربها, لدي فضول كيف ستكون ردة فعلي على مقدار المرارة لأنها بالتأكيد ستكون مختلفة عن مستوى مرارة ال80 وال90.

صديق والدي أعطى له بعض الحلوى والمعمول, تذوقت هذه أيضًا بالشوكولا الداكنة, طعمها ذكرني بكعك كان أخي الصغير يحضره لي عندما كنا لا نزال في المرحلة الابتدائية لقد كان فتًا لطيفًا حينها لذلك هل أستطيع وصف طعمها بالNostalgia؟ -تضحك-

بالنسبة للمعمول كان من الحجم الصغير اللطيف, أحب هذا الحجم ويكون من الصعب علي التوقف عن تناوله وأحزن بعدها عندما أجده قد انتهى بسرعة -تضحك- أيضًا منذ فترة أحد من أصدقاء والدي أعطاه معمول بحشوات مختلفة من متجر الحلويات “روز” تلك كانت المرة الأولى أن نتذوق من هذا المتجر, لقد أحببت جودة العجين وحشوة التمر لقد كان طعمه مميزًا عن المعمول العادي, تذوقت الذي بحشوة الفستق أيضًا لكن حسنًا أنا من النوع الذي يحب المعمول بالتمر فقط لذلك لم أستمتع بتناول الذي بالفستق لكن أختي أحببته وقررنا “سأتركُ لكِ الذي بالتمر وأنتِ اتركي لي الذي بالفستق اتفقنا؟” “اتفقنا” -تضحك- لكن بحق أحببت جودة هذا المتجر اذا سنحت لي الفرصة فسأذهب بنفسي للشراء من عندهم ان شاء الله.

اذا كان علي أن أصف حياتي في هذه الفترة بنكهة فسوف أقول “لاذعة”

أحب صوري التي ألتقطها للسماء