عيدُ ميلادِ الفتاة

للكاتب هاروكي موراكامي

كانت تنتظر على الطاولة كالمعتاد في ذلك اليوم, عيد ميلادها العشرين. كانت تعمل دائمًا في أيام الجمعة, لكن اذا كانت الأمور قد سارت كما هي مخطط لها في تلك الجمعة لكانت أخذت ذلك اليوم إجازة.

كانت الفتاة الأخرى التي تعمل بدوامٍ جزئي قد وافقت على تبديل المناوبة معها  كما هو متوقع. أن يُصرخ عليكِ من قِبل طاهٍ غاضب بينما تحملين طبق النوكي* باليقطين وفريتوا* المأكولات البحرية الى طاولة الزبائن لم تكن طريقة طبيعية لقضاء الشخص ليوم ميلاده العشرين. لكن تلك الفتاة قد أُصيبت بنزلة برد شديدة مع اسهال وحمى بدرجة 40 أدوا الى بقائها في الفراش, لذلك انتهى بها المطاف للعودة الى العمل في فترة قصيرة.

وجدت نفسها في محاولة لإراحة الفتاة المريضة حين اتصلت للاعتذار. قالت “لا تقلقي حول ذلك, لم أكن سأفعل أي شيء مميز على كل حال, حتى لو انه عيد ميلادي العشرين.”

في الواقع هي لم تشعر بأي خيبة أمل. وكان أحد الأسباب لعدم شعورها بخيبة الأمل أنها خاضت شجارًا رهيبًا مع حبيبها قبل بضعةِ أيام والذي كان من المفترض أنه سيقضي تلك الليلة معها. كانا يتواعدان منذ المرحلة الثانوية, والشجار قد بدأ من الا شيء. لكن الأمر قد اتخذ منعطفًا غير متوقع نحو الأسوأ الى أن تحول الوضع الى مشادة طويلة ومُرة في الكلام,  كانت على يقينٍ تام أن علاقتها الوحيدة طويلة الأمد قد انتهت الى الأبد. شيء بداخلها قد تحول الى صخرة جامدة ومات.  لم يتصل بها منذ الشجار, وهي أيضًا لم تتصل به.

كان مكان عملها من أفضل المطاعم الإيطالية المعروفة بحي روبونغي* في طوكيو. لقد بدأ العمل منذ أواخر الستينات, وعلى الرغم من أن المطبخ الإيطالي بالكاد كان رائدًا في ذلك الوقت إلا أن شهرته العالية كانت مبرَرَة تمامًا.

كان لديه الكثير من الزبائن المتكررين, ولم يخِب ظنهم ابدًا. كانت تتمتع حجرة الطعام بالجو الهادئ والمريح دون وجود أي ضجيج. بدلًا من أن يكون مزدحم بالأشخاص صغيري السن, جذب المطعم كبار الشخصيات من ممثلين المسارح والكُتّاب. كان الموظفان بدوامٍ كامل يعملان ستةً أيامٍ في الأسبوع. هي والفتاة الأخرى التي تعمل بدوام جزئي كانتا طالبتين لذلك كانتا تتناوبان على العمل كل ثلاثةِ أيام. بالإضافة الى ذلك كان يوجد مدير واحد فقط, عند طاولة التسجيل كانت هناك امرأة نحيلة في منتصف العمر كانت موجودة منذ افتتاح المطعم, تجلس حرفيًا في مكانٍ واحد, كانت تبدو مثل شخصية العجوز القاتمة في قصة الصغيرة دوريت*.

كانت لديها وظيفتين فقط, قبول الدفع من الزبائن والإجابة على الهاتف. كانت لا تتحدث إلا للضرورة وكانت ترتدي دومًا فستانًا أسود اللون. كان هنالك شيءٌ بارد وصعبٌ حولها, اذا جعلتها تطفو في البحر ليلًا, هي بالتأكيد ستُغرقُ أي قارب يصطدم بها. كان المدير في أواخر الأربعينات كان طويل القامة عريض المنكبين, من بنيته تستطيع القول أنه كان شخصًا رياضيًا في شبابه, لكن الآن بدأت الدهون الزائدة تتراكم حول بطنه وذقنه. كان شعره قصيرًا وخفيفًا من المنتصف, كانت لديه تلك الرائحة  المميزة للشخص العازب ملتصقة به مثل ورق الجرائد الذي تم تخزينه لمدة طويلة مع أقراص السُعال, كان عمها العازب لديه نفس الرائحة.

كان المدير يرتدي دائمًا بدلة رسمية سوداء اللون, قميصٌ أبيض, وربطة عنق فراشية الشكل. لقد كان شيء يدعو للفخر بالنسبة له أنه يستطيع ربطها بشكلٍ مثالي دون النظر الى المرآة. كانت وظيفته تتألف من: التحقق من وصول ومغادرة الضيوف, تذكر الحجوزات, معرفة أسماء الزبائن المنتظمين, تحيتهم بابتسامة, الانصات باحترام لأي شكوى تصدر من الزبائن, تقديم المشورة حول أنواع النبيذ, والإشراف على عمل الموظفين. كان يؤدي مُهِماتهُ ببراعةٍ يوميًا. وكانت مهمته الخاصة هي توصيل العشاء الى غرفة مالك المطعم.

__

قالت “لقد كان لدى مالك المطعم غرفته الخاصة الموجودة في الطابق السادس من نفس المبنى الذي كان يوجد فيه المطعم, شقة أو مكتب أو شيء من هذا القبيل.”

بطريقة ما أنا وهي تحدثنا فجأة عن كيف كان عيد ميلادنا العشرين, وأي نوعٍ من الأيام كان بالنسبة لكل واحدة منا, معظم الأشخاص يتذكرون ذلك اليوم الذي أصبحوا فيه في العشرين من عمرهم. عيد ميلادها العشرين كان منذ أكثر من عشر سنوات.

__

“هو أبدًا لم يُظهر وجهه في المطعم, الشخص الوحيد الذي رآه كان المدير, كان يؤدي مهمته بتوصيل العشاء الى المالك بصرامة, لم يعلم أحدٌ من الموظفين كيف كان يبدو المالك.”

“ذلك يعني بأن المالك كان يحصل على خدمة التوصيل من مطعمه الخاص.”

“صحيح”

“كل ليلة في الساعة الثامنة كان المدير يُحضر العشاء لغرفة المالك, كان أكثر الأوقات ازدحامًا في المطعم, أن يختفي المدير فجأة كان دائمًا ما يسبب المشاكل لنا, لكن تلك كانت الطريقة التي تمضي بها الأمور. سيضعون العشاء على إحدى تلك العربات التي تستخدمها الفنادق لخدمة الغرف, كان المدير يدفعها لداخل المصعد وتعلو وجهه نظرة مليئة بالاحترام, وبعد خمسة عشر دقيقة سوف يعود خالي اليدين, وبعد ساعة سيصعد مرة أخرى ويُنزل العربة لكن مع صحونٍ وأكوابٍ فارغة. كعملِ الساعة, كل يوم. اعتقدت أن الأمر غريبٌ جدًا حين رأيته يحدث لأول مرة, كان مثل نوعٍ من الطقوس الدينية, لكن بعد مرور فترة من الزمن اعتدت على ذلك ولم أعد أفكر فيه مرة أخرى.”

المالك كان دائمًا يحصل على الدجاج, الأطباق الجانبية من الخضراوات كانت تختلف كل يوم لكن الطبق الرئيسي كان دائمًا الدجاج. ذات مرة قال لها أحد الطهاة أنه حاول ارسال نفس الدجاج المشوي كل يوم لمدة أسبوع لمعرفة ما سيحدث, لكن في النهاية لم يكن هنالك أي شكوى. وبالطبع أراد الطاهي أن يجرب طرق جديدة لإعداد الدجاج, وكان كل طاهٍ جديد يتحدى نفسه للتفكير في أساليب متنوعة لإعداد الدجاج. كانوا يصنعون صلصاتٍ راقية, وكانوا يطلبون الدجاج من موردين مختلفين, ولكن لم يكن لجهودهم أي تأثير, كأنهم يرمون حجارةً في كهفٍ فارغ. جميعهم استسلموا في النهاية وأصبحوا يُرسلون له أطباق دجاج عادية كل يوم. وذلك كان كُل ما طُلبَ منهم.

بدأ العمل كالمعتاد في عيد ميلادها العشرين, 17 نوفمبر. كانت السماء تُمطر وتتوقف بين الفنية والأخرى خلال فترة الظهيرة, وتساقط بغزارة في المساء. في الساعة الخامسة تمامًا جمع المدير الموظفين لشرح الأطباق الخاصة لهذا اليوم. طُلب من النادلين حفظ كلمة كلمة وعدم استخدام دفتر أخذ الطلبات للقراءة منه: لحم بتلو ميلانو* ، باستا بالسردين والكرنب ، حلوى الكستناء. في بعض الأحيان يأخذ المدير دور العميل ويختبر النادلين ببعض الأسئلة. ثم يحين موعد وجبة الموظفين: النادلين في هذا المطعم بالتأكيد لن يقفوا ليخدموا الزبائن بأصوات القرقرة التي تصدر من معِداتهم بسبب الجوع.

المطعم يفتح أبوابه في تمام الساعة السادسة مساءً, لكن كان الزبائن بطيئينَ في القدوم بسبب الأمطار الغزيرة, وتم الغاء العديد من الحُجُوزات. النساء لم تُردن أن تُفسدَ فساتينهم بسبب المطر. كان المدير يتجول حول المكان بشفاهٍ مغلقة, وكان النادلين يقتلون الوقت بترتيب زجاجات الملح والفلفل الأسود, أو يتبادلون الأحاديث مع الطاهي حول الطعام. استطلعت حجرة الطعام مع وجود ثنائي واحد فقط يجلسون على طاولة, استمعت لموسيقى القيثارة المنبعثة من مكبرات الصوت المعلقة في السقف. رائحة عميقة من مطر الخريف المتأخر شقّت طريقها نحو المطعم.

كانت بعد الساعة السابعة والنصف حينما شعر المدير بالمرض. عثر على كرسي وجلس لفترة ضاغطًا على بطنه, كما لو أنه قد أُطلق عليه بالرُصاص. عرقٌ دُهني التصق بجبهته. “أعتقد أنه من الأفضل لي أن أذهب الى المستشفى” تمتم.

بالنسبة إليه أن يتعرض لمشكلة صحية كان شيئًا من النادر حدوثه: لم يتغيب عن المطعم ولو لمرة واحدة منذ أن بدأ العمل فيه منذ أكثر من عشر سنوات. تلك كانت نقطة أخرى يفتخر بها, أنه لم يمرض أو يُصاب بجروح, لكن شدة ألمه التي كانت تظهر على وجهه كانت توضح كم أن حالته سيئة للغاية.

وقفت في الخارج مع مظلة وأوقفت سيارة أجرة. ساعد أحد النادلين المدير على المشي وركب معه السيارة لأخذه الى أقرب مشفى. قبل أن ينحني ويدخل الى سيارة الأجرة قال لها بصوتٍ أجش “أريدُكِ أن تأخذي العشاء الى الغرفة رقم 406 في تمام الساعة الثامنة مساءً. كلُ ما عليكِ فعلُه هو أن تضغطي الجرس, قولي, ’عشاءُكَ هنا’ ثم اتركيه.”

“غرفة رقم 406 صحيح؟” قالت.

كرَرَ “في تمام الساعة الثامنة.” “بدقة.” تألم مجددًا, انحنى ودخل الى سيارة الأجرة وأخذته بعيدًا. لم يُظهر المطر أي علامة على التوقف بعد ذهاب المدير, ولم يأتي أي زبائن الا على فتراتٍ متباعدة. لم يكن هنالك أكثر من طاولتين فقط مشغولتين, لذلك اذا كان سيكون المدير وأحد النادلين متغيبين فذلك كان الوقت الأنسب لحدوث ذلك. لو كان ذلك قد حدث في أوقاتٍ مزدحمة لم يكن ليستطيع حتى الطاقم الذين يعملون بدوام كامل أن يتعاملوا مع الأمر.

عندما أصبحت وجبة المالك جاهزة في تمام الساعة الثامنة, دفعت عربة الطعام الى داخل المصعد وصعدت الى الدور السادس. كانت الوجبة التي تُقدم اليه ذو مستوى رفيع: نصف زجاجة من النبيذ الأحمر وغطاء الزجاجة كان مرخيًا, قهوة موضوعة في برّادٍ حراري, طبقٌ من الدجاج مع الخضار على البخار, أقراص خبز, وزبدة. ملأت الرائحة الثقيلة للدجاج المطبوخ جميع أنحاء المصعد الصغير. اختلطت برائحة المطر. يوجد علامات لقطرات الماء على أرضية المصعد, مما يشير الى أن شخصًا ما كان يحمل مظلة مبللة كان على متنهِ مؤخرًا.

دفعت العربة عبر الممر وأوقفتها عند الباب المشار اليه برقم 406. راجعت ذاكرتها: 406. ذلك كان هو. تنحنحت وضغطت جرس الباب. لم يكن هنالك أي إجابة. وقفت في مكانها لمدة عشرين ثانية. فقط عندما كانت على وشك أن تضغط الجرس مرة أخرى, فُتحَ الباب نحو الداخل وظهر رجلٌ عجوزٌ نحيل. كان أقصر منها بنحو أربعِ أو خمسِ إنشات. كان يرتدي بدلة سوداء وربطة عنق. على قميصهِ الأبيض برزت ربطة عنقهِ بشكلٍ واضح مع لونها البنيِ والأصفر الشبيه بألوان ورقِ الأشجار الذابل. لقد ترك انطباعًا نظيفًا للغاية, ملابسه كانت مكويةً بعناية, كان شعره الأبيض ناعمًا وكان مُمَشطٌ للأسفلِ بعناية: كأنه على وشك الخروج ليلًا الى اجتماعٍ من نوعٍ ما. تلك التجاعيد العميقة التي كانت تملأ جبينه جعلتها تفكر في صور الوديان العميقة التي تُلتقَط من الجو.

بصوتٍ أجشٍ قالت “عشاءُك, سيدي”, تنحنحت سريعًا مرة أخرى. دائمًا ما كان يُصبح صوتها أجش حينما تتوتر.

“العشاء؟”

“نعم سيدي. المدير مرِضَ فجأة, وأنا أخذت مكانه اليوم. وجبتك, سيدي.”

“اوه, حسنًا أرى ذلك.” قالها الرجل العجوز وكأنه يُحَدِّث نفسه, كانت يده لا تزال موضوعة على مقبض الباب “مَرِض؟ إييه؟, لا تقولي..”

“فجأة بدأت معدتهُ تؤلمهُ بشدة. لذلك ذهب الى المشفى. انه يعتقد أنه من الممكن أن تكون التهاب الزائدة الدودية.”

“اوه, هذا ليس جيدًا.” قال الرجل العجوز وهو يضع أصابعه على جبينه المليء بالتجاعيد “ليس جيدًا على الإطلاق.”

تنحنحت مرة أخرى وسألت “هل أُحضرُ وجبتكَ الى الداخل, سيدي؟”

“اه, نعم بالطبع” قال الرجل العجوز. “نعم بالطبع, اذا كنتِ تتمنين ذلك, لا بأس معي.”

اذا كنتُ أتمنى ذلك؟ فكّرت. يا لها من طريقة غريبة لقولِ ذلك. ما الذي من المفترضِ أن أتمناه؟

فتح الرجل العجوز الباب على مصرعيه, دفعت العربة الى داخل الغرفة. كانت الأرضية مغطاة بسجادٍ رماديٍ قصير مع عدم وجود منطقة لإزالة الأحذية. كانت الغرفة الأولى غرفة دراسة كبيرة, كانت الشقة أشبه بمكان عمل أكثر من كونها مكان للسكن. كانت النافذة تُطل على برج طوكيو, هيكل المبنى الصلب كان مجملًا بالأضواء. مكتبٌ كبير كان موضوعًا بجانب النافذة, وبجانب المكتب كان هنالك أريكة ومقعدٌ لطيف. أشار الرجل العجوز الى طاولة القهوة الخشبية الموضوعة أمام الأريكة. وضعت وجبته على الطاولة بترتيب: منديل المائدة الأبيض وأدوات المائدة الفضية, برّادُ القهوة وكوب, النبيذ و كأس النبيذ, الخبز والزبدة, والطبقُ الرئيسي الدجاج مع الخُضار.

“اذا كنتَ لطيفًا كفاية لوضع الأطباق في الرواق كالعادة, سيدي, سآتي لأخذهم في غضونِ ساعة.”

كلماتها بدت وكأنها أفسدت عليه متعة تمعنه في عشاءِه

“نعم بالطبع, سوف أضعهم في الرواق. على العربة. بعد ساعة. كما تتمنين.”

نعم, أجابت في داخلها, هذا هو تمامًا ما أتمناه. “هل هنالك شيء آخر أستطيع القيام به من أجلك, سيدي؟”

“لا, لا أظن ذلك.” قالها بعد دقيقة من التفكير. كان يرتدي حذاءً أسود اللون مصنوع من الجلد اللامع ذو جودة عالية. كان الحذاءُ صغيرًا وأنيقًا مطابقًا لزيه. انه شخصٌ أنيق, فكرت. كان يقف باستقامة بالنسبة الى عمره.

“حسنًا اذًا سيدي, سوف أعود الى العمل.”

“لا, انتظري دقيقة.” قال.

“سيدي؟”

“هل تظنين أنه من الممكن أن تعطيني خمس دقائق فقط من وقتك, آنستي؟, لدي شيء أود أن أقوله لكِ.”

كان مهذبًا جدًا في طلبه لدرجة جعلتها تحمرُ خجلًا “أعتقد أنه لا بأس بذلك.” قالت “اذا كانوا حقًا فقط خمس دقائق.” كان صاحب عملِها, بعد كل شيء. كان يدفع لها بالساعة. لم تكن المسألة في انها ستعطيه من وقتها أو سيأخذ هو من وقتها. والرجل العجوز لا يبدو عليه أنه سيفعل شيئًا سيئًا لها.

“بالمناسبة, كم عمرك؟” سألها الرجل العجوز وهو يقف بجانب الطاولة مطبقًا ذراعيه وينظر مباشرةً الى عينيها.

“أنا في العشرين الآن.” قالت.

“في العشرين, الآن!” كرر ما قالته, ضيق عينيه كأنه ينظر عبر فتحة ضيقة “عشرين الآن. منذ متى؟”

“حسنًا.. للتو أصبحتُ في العشرين” قالت. وبعد دقيقة من التردد أضافت “اليوم هو عيدُ ميلادي, سيدي.”

“أرى ذلك.” فرك ذقنه كما لو أنه فكر في صفقة رائعة. “اليوم؟ اليوم هو عيد ميلادك العشرين؟”

أومأت موافقة بصمت.

“بدأت حياتكِ في هذا العالم قبل عشرين عامًا من الآن, وتحديدًا اليوم.”

“نعم, سيدي.” قالت. “هذا صحيح.”

“أرى ذلك, أرى ذلك.” قال. “هذا رائع. حسنًا اذًا, عيدُ ميلادٍ سعيد.”

“شكرًا جزيلًا” قالت. لاحظت أنها المرة الأولى طوال هذا اليوم الذي يتمنى لها شخصًا عيد ميلاد سعيد. بالطبع اذا اتصلا والديها من أويتا, فقد تجد رسالة منهما على جهاز تسجيل الرسائل الصوتية عندما تعود الى المنزل بعد العمل.

“حسنًا, حسنًا, هذا بالتأكيد شيء يدعو للاحتفال” قال. “ماذا عن أن نرفع نخبًا؟ نستطيع شرب هذا النبيذ الأحمر.”

“شكرًا لك, سيدي, لكن لا أستطيع أنا أعمل الآن.”

“أوه, ما الضرر في أخذ رشفةٍ بسيطة؟ لا أحد سيلقي عليكِ اللوم اذا قلت أنا أنه لا بأس بذلك. انه مجرد شرابٍ للاحتفال.”

أزاح الرجل العجوز غطاء القنينة وسكب بعض النبيذ في كأسه لأجلها. ثم أخذ كوب عادي للشرب من خزانة أكوابٍ زجاجية وسكب فيها النبيذ لأجله.

“عيدُ ميلادٍ سعيد” قال. “أتمنى أن تعيشي حياةً غنية ومثمرة, وأتمنى أن لا يكون هنالك شيء يلقي بظلالٍ داكنة عليها.”

قرعوا كأسيهما ببعض.

أتمنى أن لا يكون هنالك شيء يلقي بظلالٍ داكنة عليها: كررت كلماته في داخلها. لماذا اختار كلمات غير اعتيادية لأمنية عيد ميلادها؟

“عيد ميلادك العشرين يأتي مرة واحدة فقط في العمر, آنستي, إنه يومٌ لا بديل له.”

“نعم, سيدي, أعلم ذلك.” قالت ذلك وارتشفت بحذر قليلًا من النبيذ.

“وهنا, في يومكِ الخاص, واجهتِ مشكلة في توصيل العشاء لي كجنية طيبة القلب.”

“فقط أقوم بعملي, سيدي.”

“لكن, لا يزال” قالها الرجل العجوز وهو يهز رأسه نفيًا. “لا يزال, أيتها الآنسة الصغيرة اللطيفة.”

جلس الرجل العجوز على كرسيه الجلدي أمام مكتبه وأشار اليها للجلوس على الأريكة. جلست بحذر على حافة الأريكة, مع وجود كأس النبيذ في يدها. ركبتيها ملتصقتين ببعضها, تسحب تنورتها للأسفل, وتنحنحت مرة أخرى. رأت قطرات المطر ترسم خطوطًا على زجاج النافذة. كانت الغرفة هادئة بشكلٍ غريب.

“اليوم صادف أنه عيد ميلادك العشرين, وفوق كلِ هذا لقد اضطررت لإحضار هذه الوجبة الدافئة الرائعة إلي.” قال الرجل العجوز. وكأنه يؤكدُ على الوضع. ثم وضع كوبه على سطح مكتبه مع صوت ارتطامٍ خفيف. “لا بد وأنه التقاءٌ من نوعٍ استثنائي, ألا تظنين ذلك؟”

بغير اقتناعٍ تام, نجحت بالإيماء موافقة.

“وهذا هو السبب,” قال ذلك وهو يمسك بربطة عنقه ذو ألوان ورق الشجر الذابل, “أشعر بأنه من المهم بالنسبة لي أن أقدم لكِ هدية عيد ميلاد. عيدُ ميلادٌ مميز يحتاج الى هدية تذكارية مميزة.”

شعرت بالارتباك وهزت رأسها وقالت: “لا, أرجوكَ يا سيدي, لا تحتاج للتفكير في هذا الأمر حتى ولو لثانية واحدة. كل ما فعلته هو احضار وجبتك اليك كما أُمرت.”

رفع الرجل العجوز كلتا يديه, موجهًا راحة يديه نحوها. “لا, آنستي, أنتِ التي من المفترض أن لا تفكر في أمرٍ كهذا ولو لثانية واحدة. نوع ’الهدية‘ الذي أفكر فيه ليس شيئًا ملموسًا, وليس شيئًا لهُ سعر. “ببساطة – وضع يديه على الطاولة وأخذ نفسًا طويلًا بطيئًا- ما أود القيام به من أجل جنية صغيرة جميلة مثلك هو منحكِ أمنية ترغبين بها, لجعل أمنيتكِ تصبح حقيقية. أيُ شيء. أي شيءٍ تتمنينه على الاطلاق, بالطبع اذا افترضنا أن لديكِ أمنية كهذه.”

“أمنية؟” سألت, وحلقها أصبح جافًا.

“شيء ما تودين أن يحدث لكِ, آنستي. اذا كانت لديكِ أمنية, أمنيةٌ واحدة, سأجعلها تصبح حقيقة. هذا هو نوع هدايا الميلاد الذي أستطيع إعطائه لكِ. لكن يجب عليكِ التفكير بأمنيتكِ بحذرٍ شديد, لأنني أستطيع اعطائكِ أمنية واحدة فقط.” رفع اصبعه في الهواء “واحدة فقط. ليس باستطاعتُكِ تغييرُ رأيكِ بعد ذلك واستعادتها.”

هربت الكلمات منها. أمنية واحدة؟

تضرب الرياح النافذة, قطرات المطر تسقط بصورة غير متوازنة على زجاج النافذة. بقيت صامتة, نظر الرجل العجوز الى عينيها, بدون أن ينطق بكلمة. مر الوقت بنبضاتٍ غير منتظمة عبر أذنيها.

“يجب علي أن أتمنى شيئًا ما, وسوف يتم منحي إياه؟”

بدلًا من الإجابة عن سؤالها, قام الرجل العجوز-ما يزال واضعًا يديه جنبًا الى جنبٍ على مكتبه- بالابتسام. فعل ذلك بطريقة طبيعية وودية.

“هل لديكِ أمنية, آنستي, أم لا؟” سأل بلطف.

_____

“لقد حدث فعلًا” قالت. نظرت إلي مباشرةً “أنا لم أختلق ذلك.”

“بالطبعِ لا,” قلت. لم تكن من نوع الأشخاص الذين يختلقون قصصًا حمقاء من الهواء. “اذًا… هل تمنيتِ أمنية؟”

بقيت محدقة في وجهي لفترة من الوقت, ثم أصدرت تنهيدةً خفيفة. “لا تفهميني بشكلٍ خاطئ” قالت. “لم آخذ كلامه بجدية 100% أعني, عندما تصبحين في العشرين من عمركِ تعلمين أنكِ لم تعودي تعيشين في عالم القصص الخيالي بعد الآن. فكرت أنه يأخذ الأمر كنوعٌ من أنواع المزاح, لذلك علي فقط أن أقول أي شيء. لقد كان شخصًا عجوزًا أنيقًا مع وجود بريقٍ في عينيه, لذلك قررت اللعب معه. كان عيد ميلادي العشرين بعد كل شيء: اعتقدت أن هنالك شيءٌ غير عادي حدث لي في ذلك اليوم. لم تكن المسألة مسألة تصديق أو عدم التصديق.”

أومأتُ بدون أن أنطق بشيء.

“أنا متأكدة أنكِ تفهمين كيف شعرتُ حينها, عيد ميلادي العشرين كان على وشكِ أن ينتهي بدون أن يحدث أي شيء مميز, لا أحد تمنى لي عيد ميلادٍ سعيد, وكل ما كنت أفعله هو حمل طبق التورتيليني* مع صلصة الأنشوجة لطاولات الناس.”

أومأتُ مجددًا وقلت “لا تقلقي, أفهم ذلك.”

“لذلك لقد تمنيتُ أمنية.”

_____

أبقى الرجل العجوز نظراته ثابتة عليها, لا يقول شيئًا, ما زالت يداه على المكتب. على المكتب كان يوجد أيضًا العديد من المجلدات السميكة التي ربما تكون دفاتر حسابات. بالإضافة الى أدوات الكتابة, تقويم, ومصباحٌ ذو ضوءٍ أخضر. كانت يداه الصغيرتان الموضوعتان على المكتب تبدوان وكأنهما نوعٌ من الأدوات المكتبية كباقي الأشياء. استمرت قطرات المطر بالتحطم على النافذة الزجاجية, أضواء برج طوكيو عبرت نحو القطرات المُحطَمة.

تعمقت تجاعيد جبين الرجل العجوز قليلًا “هذه هي أمنيتك؟”

“نعم” قالت. “هذه هي أمنيتي.”

“انه أمرٌ غير مألوف بالنسبة لفتاةٍ في سنك,” قال. “لقد كنتُ أتوقع شيئًا مختلفًا.”

“اذا كانت غير جيدة, اذًا سأتمنى شيئًا آخر,” قالت, تنحنحت. “لا أمانع, سأفكر في شيء آخر.”

“لا, لا” قال الرجل العجوز, رافعًا يديه يلوح بها كالأعلام. “لا شيء خاطئٌ بها, على الإطلاق. انه فقط شيء مفاجئ قليلًا, آنستي. أليس لديكِ شيءٌ آخر؟ على سبيل المثال, أن تصبحي أجمل, أو أذكى, أو أن تصبحي غنية؟ هل انتِ بخير بعدم تمنيكِ شيئًا كهذا؟ شيء ستطلبه أي فتاة عادية؟”

أخذت بعض الوقت تبحث عن الكلمات المناسبة. الرجل العجوز انتظرها وحسب, بدون أن يقول أي شيء, يديه عادت تستريح على المكتب مرة أخرى.

“بالتأكيد أود أن أصبح أجمل أو أذكى أو غنية. لكنني لا أستطيع حقًا تخيل ما سيحدث لي اذا تحققت أيٌ من هذه الأشياء. قد يصبح شيئًا لا أستطيع التعامل معه. لا زلت لا أعلم حقيقة ما تدور حوله هذه الحياة. لا أعلم كيف تعمل.”

“هكذا اذًا” قال الرجل العجوز, شبك أصابعه وفصلهم مرة أخرى. “هكذا اذًا.”

“اذاً, هل لا بأس بأمنيتي؟”

“بالطبع,” قال. “بالطبع, لا يوجد أي مشكلة على الاطلاق بالنسبة لي.”

فجأة ثبّت الرجل العجوز عينيه الى مكانٍ ما في الهواء. تعمقت تجاعيد جبينه: ربما كانت تجاعيد دماغه نفسها لأنه كان يبدو مركّزًا بشدة في أفكاره. كان يبدو وكأنه يحدق في شيء ما-ربما شيءٌ غير مرئي- يطفو في الهواء. فتح ذراعيه على نحوٍ واسع, رفع نفسه من على كرسيه قليلًا, وضم راحة يديه مع بعضهما بصفعة جافة. جلس مجددًا على كرسيه, تحسس ببطء تجاعيد جبينه بأطراف أصابعه كما لو كان يحاول تليِنَهُم, ثم التفت اليها مع ابتسامة لطيفة.

“هكذا تمت” قال. “أمنيتكِ تحققت.”

“بهذه السرعة؟”

“نعم, لم تكن هنالك أي مشكلة على الاطلاق. ما ترغبين بهِ قد تحقق, آنستي اللطيفة. عيدُ ميلادٍ سعيد. تستطيعين العودة الى العمل الآن: لا تقلقي, سأضع العربة في الرواق.”

ركبت المصعد نزولًا الى المطعم. بيدان فارغتان الآن. شعرت بشعورٌ مزعج تقريبًا, كما لو أنها تمشي في طريقٍ غامضٍ مليء بالوبر.

“هل أنتِ بخير؟ تبدين وكأنكِ في عالمٍ آخر.” قال لها النادل الشاب.

أعطته ابتسامة مبهمة وهزت رأسها “اوه حقًا؟, لا, أنا بخير.”

“أخبريني عن المالك, كيف يبدو؟”

“لا أعلم, لم أنظر اليه جيدًا.” قالت, جاعلة المحادثة قصيرة.

بعد ساعة ذهبت لإحضار العربة. كانت موضوعة خارجًا في الرواق, الأواني في مكانها. رفعت الغطاء لتجد أن الدجاج والخضراوات قد ذهبوا. زجاجة النبيذ و برّاد القهوة كانوا فارغين. باب الغرفة 406 واقفٌ هكذا مغلقٌ بدون أي تعابير. حدقت فيه لبعض الوقت, شعرت وكأنه في أي لحظة سيُفتح, لكنّه في النهاية لم يُفتح. وضعت العربة داخل المصعد وأوصلتها الى غسالة الصحون. نظر الطاهي الى الأطباق, فارغة كالمعتاد, وأومأ برأسه بوجهٍ خالٍ من أي تعبير.

___

“لم أرى المالك مرة أخرى.” قالت. “ولا حتى لمرة واحدة, لقد تبين أن المدير يعاني من ألمٍ عادي في المعدة وعاد لتوصيل وجبة المالك بنفسه مرة أخرى في اليوم التالي. استقلتُ من وظيفتي بعد السنة الجديدة, ولم أعد مجددًا الى ذلك المكان. لا أعلم, لقد شعرت فقط أنه من الأفضل أن لا أقترب من هناك, كنوعٍ من الهاجس.”

كانت تلعب بسفينةٍ ورقية مبحرة في أفكارها الخاصة “أشعر أحيانًا أن كل ما حدث لي في ميلادي العشرين كان نوعًا من الوهم. يبدو الأمر وكأن هنالك ما يجعلني أفكر أن ذلك قد حدث لكنّه لم يحدث أبدًأ. لكنني أعرف بالتأكيد أن تلك الأمور قد حدثت. أستطيع تذكر كل قطعة أثاث وكل شيء صغير كان موجودًا في الغرفة رقم 406. ما حدث لي هنالك قد حدث بالفعل. وقد كان له معنًا مهم بالنسبة إلي.”

بقينا هادئين لفترة من الوقت, نشرب مشروباتنا ونفكر في أفكارٍ منفصلة.

“هل تمانعي اذا سألتكِ شيئًا واحدًا؟” سألت. “أو بشكلٍ أدق, شيئين.”

“بالتأكيد, تفضلي.” قالت. “أتصور أنكِ ستسألينني عما تمنيت في ذلك الوقت. هذا سيكون أول شيء تودين معرفته.”

“لكن يبدو أنكِ لا تودين التحدث عن ذلك.”

“حقًا؟”

أومأتُ موافقة.

وضعت السفينة الورقية وضيّقت عيناها كما لو أنها كانت تحدق في شيء ما على مسافة بعيدة. “كما تعلمين ليس من المفترض أن تخبري أي شخصٍ بأمنيتك.”

“لن أحاول إخراجها منكِ بالقوة” قلت. “أود أن أعرف هل تحققت الأمنية أم لا, وأيضًا -مهما كانت الأمنية- أتساءل ما اذا قد ندمتِ على اختيارك للأمنية أم لا. هل سبق لكِ أن شعرتي بالأسف أنكِ لم تختاري شيئًا آخر؟”

“الجواب على السؤال الأول هو نعم وكذلك لا. لا يزال أمامي حياة طويلة لعيشها, على الأرجح. لم أر كيف ستسير الأمور في النهاية.”

“اذًا انها أمنية تستغرقُ وقتًا حتى تتحقق؟”

“تستطيعين قول ذلك. الوقت يلعب دورًا مهمًا في النهاية.”

“كما هو الحال حينما تطبخين أطباقًا معينة؟”

أومَأت

فكرت في ذلك للحظة, لكن الشيء الوحيد الذي تبادر الى ذهني هو صورة لفطيرة عملاقة تُطبخ ببطء في فرنٍ على درجة حرارةٍ منخفضة.

“والجواب على سؤالي الثاني؟”

“ذكريني ماذا كان؟”

“هل ندمتِ على الأمنية التي إخترتِها؟”

مضت لحظاتٌ قليلة من الصمت. نظرت الي بعينين غير عميقتين, ظل ابتسامةٍ مرتعشة ظهر من بين شفتيها, أعطتني نوعًا ما خفيًا من الاستسلام.

“أنا الآن متزوجة,” قالت. “من محاسبٍ قانوني يكبرني بثلاثِ سنوات. ولدي طفلان, صبي وفتاة. لدينا سيتر إيرلندي*. أنا أقود أودي*, وألعب التنس مع صديقاتي مرتين في الأسبوع. هذه هي نوع الحياة التي أعيشها الآن.”

“تبدو شيئًا جميلًا بالنسبة لي.” قلت.

“حتى لو أن مصد سيارة الأودي لديه انبعاجين؟”

“مصد السيارات مصنوع من أجل الانبعاجات”

“تبدو فكرة رائعة لملصقٍ على المصد,” قالت. “المصّدات من أجل الانبعاجات.”

نظرتُ الى فمها وهي تقول ذلك.

“ما أحاول قوله لكِ هو هذا,” قالت بنعومةٍ أكثر, وهي تلمس شحمة أذنِها. كانت لدى شحمة أذنها شكلٌ جميل. “بغض النظر عن ما يتمنونه, بغض النظر عن المدى الذي سيذهبون اليه, لا يمكن للناس أن يكونوا شيئًا آخر غير أنفسهم, هذا كلُ شيء.”

“هنالك مُلصق آخرٌ جيد ليوضع على المصد,” قلت. “بغض النظر عن المدى الذي سيذهبون إليه, لا يمكن للناس أن يكونوا شيئًا آخر غير أنفسهم.”

ضحكَت بصوتٍ عالي, مع اظهارٍ حقيقيٍ للسرور, والظل قد اختفى.

أراحت كوعها على طاولة المشروبات ونظرت إلي “أخبريني,” قالت. “ما الذي كنتِ ستتمنينه اذا كنتِ في مكاني؟”

“تقصدين في ليلة عيد ميلادي العشرين؟”

“اه”

استغرقتُ بعض الوقت للتفكير في ذلك. لكن مع ذلك لم أستطع الخروج حتى بأمنية واحدة.

“لا أستطيع التفكير بأي شيء” اعترفت. “أنا بعيدةٌ جدًا عن عيد ميلادي العشرين الآن.”

“أنتِ حقًا لا تستطيعين التفكير بأي شيء؟”

أومأتُ برأسي.

“ولا حتى شيءٌ واحد؟”

“ولا حتى شيء واحد.”

نظرت الى عيني مباشرةً وقالت “لأنكِ قد صنعتِ أمنيتكِ بالفعل.

تمت.

*النوكي: طبق إيطالي مشهور يصنع من السميد مع طحين القمح والبيض وفتات الخبز ومكونات متفاوتة.

*فريتوا: طبق إيطالي يتكون من المأكولات المقلية المختلطة.

*روبونغي: حي من أحياء منطقة ميناتو في مدينة طوكيو, يشتهر بأنه أكثر حي يزوره السياح بسبب كثرة المطاعم وأماكن الترفيه فيه.

*دوريت الصغيرة: سلسلة روائية للمؤلف تشارلز ديكنز.

*لحم بتلو ميلانو: طبق إيطالي يتكون من لحم العجل الصغير.

*تورتيليني: طبق إيطالي يتكون من معكرونة على شكل حلقات وأحيانًا يتم وصفها بشكل السرة, عادة ما تُقدم مع المرق وأنواع مختلفة من الصلصات.

*سيتر ايرلندي: سلالة معينة من الكلاب.

*أودي: شركة سيارات ألمانية تُنتج السيارات الفاخرة.

“إني أحاول أن أكون مودّعًا, لكنّ قلبي لا يُطيقُ تودُّعَك”

(1)

ها هو الشتاء أوشكَ على الانتهاء، وفي الربيع سوف أصبح طالبًا في الصف السادس

لستُ متحمسًا كثيرًا، في الحقيقة ليس لدي الكثير من الأصدقاء، لدي فقط صديقٌ واحد وهو صديق طفولتي لكنّه شعبيٌ للغاية جميع من في المدرسة يحبونه ودائمًا ما يلعبون معه لذلك دائمًا ما أبقى وحيدًا أجلس بجانب نافذة الصف المطلة على حديقة المدرسة واقرأ الكتب، لكن عندما ينتهي وقت المدرسة دائمًا يأتي ويقول “لنعد الى المنزل معًا” وبينما نسير هو يخبرني الكثير من القصص انه ثرثارٌ قليلًا مع ذلك لا اظن أن الأمر يزعجني.

(2)

قرر والداي الذهاب الى مسقط رأسيهما قبل انتهاء عطلة الشتاء، يبدو أنهم سيقيمون لم شمل مع أصدقائهم من المرحلة الثانوية

ذهبت لتجهيز حقيبتي وضعت بعضًا من الملابس والوجَبَات الخفيفة وبالطبع حزمت بعض الكتب كي اقرأها هناك.

والدتي اخبرتني أني سأجد اشخاصًا في نفس عمري أستطيع اللعب معهم، لكن مع شخصيتي الهادئة لا أظن أني سأستطيع الانسجام مع أي شخص.

والداي أخبراني أن الجو شديد البرودة في قريتهم لذلك ارتديت قميصًا ثقيلًا أبيض اللون مطبوعًا عليه شخصية دورايمون باللون الأزرق ومعطفًا أسود

دورايمون هو شخصيتي الكرتونية المفضلة، كم سيكون الأمر ممتعًا لو أن دورايمون بجانبي.

ركبنا السيارة متجهين الى القرية وعندما وصلنا الى حدودها كانت الشمس على وشك الغروب وفجأة تساقط الثلج، كان المشهد رائعًا جدًا.

(3)

والداي وأصدقائهم كانوا قد استأجروا كوخًا لمدة ثلاث أيام

كان الكوخ متوسط الحجم يقع أسفل الجبل مع حديقة كبيرة لكنها كانت مغطاة بالثلج

كان الكوخ من الداخل دافئًا بسبب المدفئة الخشبية الكبيرة الموجودة في صالة الجلوس، كان يوجد هناك صالة للطعام، وثلاث غرفٍ للنوم كل غرفة تحتوي على أربعةِ أسرة خشبية من نوع الطابقين

في الليلة الاولى عندما وصلنا تناولنا الطعام مع الجميع كان الجميع يخبر والداي “ان صغيركما هادىء جدًا يا لكُمَا من محظوظان” وكانت امي تخبرهم “انا لا أحب كم هو هادىء، اود ان اراه يلعب او يزعجني قليلًا بطلب اي شيء مني لكنّه لا يفعل، دائمًا ما يقول استطيع فعل ذلك لوحدي”

حسنًا انا لا أحب ازعاج والداي وأحب الاعتماد على نفسي لا حاجة لي بأن أصبح فتًا مدللًا.

(4)

كانوا ثلاث عائلات وكنّا العائلة الرابعة كنّا أربعةَ فتية منهما أخان وكانت هنالك فتاة واحدة وكنّا تقريبًا في نفس السن

عندما ذهبنا للنوم نام فتًا في السرير العلوي والأخوين في السرير السفلي على الجهة اليمنى بينما على الجهة اليسرى نمت أنا في السرير السفلي ونامت الفتاة في العلوي

لم أستطع النوم في الليلة الأولى ظللتُ أتقلب يمينًا ويسارًا وفي النهاية استقريت بالنوم على ظهري وظللت اتأمل سقف السرير العلوي لم تكن المسافة طويلة بين السريرين لكن فجأة ظهر وجهٌ مقلوب وشعرٌ اسود طويل عند سُلم السرير

“يبدو أن هنالك شخصٌ آخر لم يستطع النوم”

حينها نهضت متفاجئًا وحينها صدمت رأسي في سقف السرير العلوي لقد آلمني ذلك بشدة حينها سمعت ضحكة خافتة “هل أخفتك؟ أعتذر” ثم نزلت الى الأسفل وقالت “بما أننا لم نستطع النوم ما رأيك أن نذهب الى الأسفل؟ اذا بحثنا قليلًا اعتقد اننا سنجد بعض الوجبات الخفيفة المتبقية”

أومأت موافقًا

“هذا جيد اذًا” ابتسمت الفتاة وخرجت من الغرفة اولًا

اخذت واحدًا من الكتب التي احضرتها لكي اقرأها في الأسفل لأني بالتأكيد لن أستطيع التحدث معها

(5)

عندما ذهبت للأسفل وجدتها تجلس على الكرسي الكبير بجانب المدفأة كانت تهز رجليها في الهواء وبيدها طبق من الفواكه المجففة

“لم استطع ايجاد اي شيء آخر، لكن لا بأس ذلك يفي بالغرض”

مدت الطبق لي اخذت بضعًا منها وجلست في الكرسي المقابل لكرسيها وبدأت اقرأ

“اووه انت تحبُ القراءة اذًا”

أومأتُ برأسي

“ما لذي تقرأه؟”

“قصة عن فتاة غرقت قريتها وفقدت ذاكرتها وبدأت بتعلم الغوص لكي تستطيع الذهاب الى الاعماق لتستعيد ذاكرتها وتكتشف ما الذي حدث”

“يبدو أنها قصة ممتعة، انا ايضًا احب القراءة لكنّي لم احضر معي أي كتب”

“هل تريدين قراءة هذه القصة؟”

“هل حقًا يمكنني ذلك؟”

“لقد وصلتُ للفصل الأخير بالفعل لذلك أستطيع اعارتكِ اياه”

“شكرًا لك، أنتَ لطيفٌ حقًا”

احمّرت وجنتاي “لا حاجة لشكري”

في الحقيقة لم أستطع اكمال الفصل الأخير بسبب ثرثرتها مع انني استمريت فقط بالإيماء هي لم تتوقف، لكن لأكون صريحًا كنت أحب اختلاس النظر الى وجهها المتحمس وعيناها الرماديتان وهي تلمعان خلال تحدثها.

(6)

استيقظت في وقتٍ متأخر من الظهيرة بسبب عدم تمكني من النوم في الليلة السابقة

بعدما غسلتُ وجهي ذهبت لتناول الغداء مع الجميع وبعدما انتهينا كان الجميع يصدر ضوضاء كانوا يشربون الشاي حول المدفأة ويتحدثون بصوتٍ عالٍ ويضحكون يبدو أنهم مستمتعين جدًا

كنت اجلس في الزاوية ومعي كتابي وفجأة اقترب مني الصبية الآخرون وكان واحدٌ منهم ممسكًا بكرة قدم

“ما رأيك أن تأتي للعب معنا في الخارج؟ سنلعب كرة القدم”

“لا أحب كرة القدم”

“ما الذي تحبه اذًا؟ دعنا نلعب ما تحبه”

“لا أود اللعب, أفضل القراءة على اللعب”

“وااا يا لك من ممل حقًا, لنذهب ونترك هذا الممل”

بعدما قال هذا ذهبوا للخارج مع كرتهم

قررتُ الخروج الى الحديقة الخارجية لأستطيع القراءة في هدوء وبما أنها كانت الظهيرة كان الجو دافئًا في الحديقة  و كان هنالك كرسي خشبي طويل موضوع تحت اكبر شجرةٍ في الحديقة ذهبت أزحت بقايا الثلج من عليه وجلست، كنت أفكر أنه يجب علي الانتهاء من الكتاب بسرعة لأستطيع اعطائه لتلك الفتاة

انتهيت من القراءة وفجأة وجدت دموعي قد انهمرت

“اوه اخيرًا وجدتك لقد كنت ابحث عنك طيلة الوقت”

تفاجأت حينها وابتعدت الى الخلف كنت اجلس على طرف الكرسي لذلك حينما ابتعدت للخلف سقطت على الارض

“انها المرة الثانية التي تتفاجىء فيها بهذه الطريقة، يبدو أنك من النوع الذي يخاف بسهولة” ثم سمعتها تضحك

حينها اقتربت مني لتساعدني على النهوض ووجدتني ابكي بدون اصدار اي صوت

“هل جُرحت؟؟؟ لماذا تبكي؟ هل من الممكن أنه خطأي؟؟ أعتذر جدًا”

“إنه ليس بسببك، في الحقيقة للتو انتهيت من القراءة، لقد كانت قصة حزينة لذلك بكيت”

“هيييه لديكَ مشاعرٌ اذًا”

نظرت بغضب “ما الذي تقصدينه؟”

“حسنًا حينما رأيتك بالأمس لأول مرة لم تُظهر اي تعابير على وجهك حتى بينما تتناول الطعام او تتحدث مع والِدَيك، وايضًا حتى عندما تحدثنا بالأمس لقد كنت فقط هادىء ولا تبدي اي ردة فعل لذلك فكرت يبدو أنهُ شخصٌ بدون مشاعر لكن يبدو أنك ذو قلبٍ رقيق” ابتسمت وأمسكت بيدي وساعدتني على الوقوف وناولتني منديلًا حينها سمعنا صوت الصبية الآخرون وهم يلعبون الكرة وقادمون في اتجاهنا حينما رأونا وقفوا

“اووه انه فتى الكتب, ايها الفتى الممل خذ هذه”

رمى الفتى الذي كان ممسكًا بالكرة على رأسي لقد آلمني ذلك كثيرًا لكنّي تظاهرت بالقوة

حينها اشتعلت تلك الفتاة بالغضب وامسكت الكرة ورمتها خارجًا

“ما الذي تفعلينه أيتها الغبية، انها كرتنا لماذا ترمينها في الخارج هيا اذهبي وأعيديها”

أمسكت الفتاة بغصن شجرة وصرخت

“لا أحد غبيٌ هنا غيركم، لماذا تضربون شخصًا لم يفعل أي شيء لإيذائكم، انكم أشخاصٌ سيئونَ حقًا، ولن اذهب لاستعادة الكرة اذهبوا وأعيدوها بأنفسكم” وأصبحت تركض لتضربهم بغصن الشجرة لكنّهم هربوا

“أغبياااء”

حينها ولأول مرة انفجرت ضاحكًا

“أنتِ ممتعة حقًا”

“هل أنتَ بخير؟”

ابتسمت “نعم”

“هل تعلمين نحن لا نعلم أسماء بعضنا حتى الآن”

“صحيح, بما أنك ذكرت ذلك لقد كنت أود أن أسألك عن اسمك منذ البارحة لكننّي نسيت, أنا إلينور”

“وأنا روي”

مدت الكتاب اليها “لقد انتهيت يمكنكِ قراءته الآن”

قفزت بفرح وأخذت الكتاب ونظرت إليه “اني متشوقة لقراءتك للغاية”

مضى بقية اليوم ولم نتحدث كثيرًا بسبب انسجامها بقراءة الكتاب, كُنت فقط أختلس النظر اليها من بعيد وأتظاهر بأني أقرأ كتابًا آخر.

(7)

في اليوم التالي لم أر إلينور في الأرجاء فكرت ليتني لم أعطها الكتاب تمنيت فقط أن تأتي وتتحدث معي قبل انتهاء هذه الرحلة.

كانت الساعة السادسة مساءً ونادتني والدة إلينور “روي أعتذر لكن هل تستطيع الذهاب ومناداة إلينور لتأتي وتتناول العشاء؟ تلك الشقية لم تتناول شيئًا منذ الصباح, ستجدها في الحديقة الخارجية”

أومأت موافقًا وذهبت

عندما فتحت الباب كان الجو باردًا للغاية وكان الثلج يتساقط بكثرة ويغطي كل شيء, وجدتها تجلس على الكرسي كان مغطى بالثلج كانت منسجمة بالقراءة حتى أنها لم تلاحظ أن الثلج كان يغطي شعرها

اقتربت منها ووجدتها تبكي أبعدت عن شعرها الثلج وقلت “يبدو أنكِ وصلتِ الى الجزء الذي بدأت فيه باستعادة ذاكرتها تدريجيًا”

بصوتٍ باكي “روويي, انها قصة حزينةٌ جدًا”

“هذا صحيح” لم أكن أملك منديلًا معي لذلك مسحت دموعها بكم معطفي

“هيا الآن توقفي عن البكاء ولنذهب الى الداخل لتناول العشاء”

“لا أريد, أود اكمال القراءة”

“لكن الجو باردٌ هنا وأيضًا والدتك قلقة بشأنك لأنك لم تتناولِ أي شيء منذ الصباح”

“لستُ جائعة, لقد تناولت بعض الوجَبَات الخفيفة”

“من أين أحضرتيها؟”

“لقد كانت حقيبتك مفتوحة ولاحظت وجود وجبَات خفيفة فيها لذلك أخذتها, أعتذر لكن مظهرها كان مغري”

ضحكت “اوه تلك الوجبَات الخفيفة لقد نسيتُ أمرها حقًا, حسنًا لا بأس المهم أنكِ قد استمتعتِ بتناولهم”

أومأت موافقة

أزحت الثلج الموجود على الكرسي وجلست بجانبها “يمكنك إكمال القراءة اذًا وسأبقى هنا أنتظر حتى تودين الذهاب الى الداخل”

لم تمضي دقيقتين ثم فجأة مالت برأسها على كتفي لقد غطت في النوم

ابتسمت وقلت في نفسي “يبدو أنها متعبة”

حينها لم أشعر بنفسي أنا الآخر وأملت بنفسي على رأسها وغطيت في النوم أنا أيضًا

(8)

استيقظتُ في حوالي الساعة العاشرة ووجدت نفسي مستلقٍ على سريري وكنت أحس بثقلٍ في رأسي وتنفسي فكرت آآه يبدو أني أصبت بالحمى بسبب بقائي في الخارج حين التفت الى الجهة الأخرى وجدت الينور في السرير السفلي الذي بجانبي وتحدق في وجهي, حينها فتحت عيناي بتفاجئ

“هل يمكنك التوقف عن التفاجئ؟, انها ثالث مرة بالفعل”

“انها غلطتك, دائمًا تظهرين فجأة”

“هذا لأنك جبان, ويبدو أنك أصبت بالحمى أيضًا, انك جبان وضعيفٌ يا لك من مثيرٍ للشفقة على الأقل أنا اصبت بالحمى لأنني بقيت خارجًا لوقتٍ طويل لكنّك لم تفعل”

“هل يمكنكِ التوقف عن إغاظتي” ثم أدرت وجهي للجهة الأخرى

ضحكت الينور وقالت “أعتذر لقد كنت أود مضايقتك قليلًا فقط, أعتذر أيضًا لأنه بسببي قد أُصبت بالحمى”

عدت والتفت الى جهتها

“هل تعلم الجميع الآن في الأسفل يحضون بالمرح لأنها آخر ليلة بينما نحن مستلقيان هنا بسبب الحمى”

تأملنا بعضنا قليلًا ثم ضحكنا “نحن ضعيفان حقًا”

كم أنا سعيد أني استطعت التحدث معها قبل انتهاء الرحلة.

(9)

استيقظتُ في الصباح بسبب ازعاج الصبية الثلاث يبدو أنهم يحزمون أغراضهم استعدادًا للذهاب

نظرت الى السرير المقابل ولم أجد إلينور, يبدو أنها استيقظت مبكرًا

نهضت من السرير وكنت ما زلت أشعر ببعض الدوار, غسلتُ وجهي وحزمت أغراضي وذهبت الى الأسفل كان الجميع يصنع ضوضاء كان الجميع في حالة توتر وهم يتأكدون من كل شيء عندها وجدت أحدًا يسحبني من الخلف

“لنذهب الى الحديقة قليلًا”

ذهبنا للخارج

 “روي هل يمكنني أخذ الكتاب معي؟ حينما أنتهي من قراءته سأرسله الى مدينتك لذلك أرجوك هل يمكنني ذلك؟”

“بالتأكيد, يمكنك ارجاعه في أي وقتٍ تريدينه”

قفزت فجأة واحتضنتني “شكرًا لك روي أنت حقًا فتًا رائع”

احمرت وجنتاي انها اول مرة اُحتضن من قبل فتاة,

 حينها سمعنا أصوات والِديِنا “هيا لقد حان وقت الذهاب”

(10)

وقف الجميع عند باب الكوخ وودعوا بعضهم البعض وذهب الجميع الى سياراتهم لكن قبل أن أدخل الى سيارتِنا وقفت وصرخت “الينور, شكرًا لكِ لقد استمتعت بالتحدث معك جدًا, أرجو أن نتقابل مرة أخرى”

حينها ابتسمت ولوحت لي “أنا أيضًا استمتعت بالتحدث معك, سأحاول ارسال الكتاب قريبًا مع رسالة أحدثك فيها عن رأيي الأخير عن القصة, وداعًا روي”

(11)

مرت السنوات وأصبحت في الصف الثالث من المرحلة الإعدادية, طوال تلك السنوات انتظرتُ أن ترسل لي إلينور الكتاب لكنّها لم تفعل في الحقيقة لم أكن مهتمًا بالكتاب لكنّي كنت أفكر فيها طيلة الوقت, لقد سألت والدتي عن عنوان مدينتها ومنزلها لكي أرسل لها رسالة لكنّي كنتُ خائفًا من أنها قد نسيتني خلال تلك السنوات لذلك لم تهتم بالأمر ولم ترسل الكتاب لذلك تراجعت عن تلك الفكرة.

(12)

في يوم تخرجي بعد الانتهاء من مراسم الحفل عدت الى المنزل وقبل أن أدخل وجدت صندوقًا صغيرًا على باب المنزل أمسكته ووجدت مكتوبًا عليه “الى روي”

لا يمكن هل هي إلينور؟؟ ذهبت الى الحديقة القريبة من المنزل وجلست على الأرجوحة فتحت الصندوق وجدت الكتاب وفوقه رسالة فتحتها بكل سعادة لا أحد يعلم كم من الوقت انتظرت لأجل هذه الرسالة لكن حينما فتحتها صُدمت لم تكن المرسلة إلينور بل كانت والدتها

“مرحبًا عزيزي روي, كيف حالك؟ كيف حال والداك أيضًا؟ أرجو أن تكونوا بخير, أنا والدة إلينور أكتب لك هذه الرسالة بدلًا من إلينور لأنها لم تعد بيننا بعد الآن. لقد توفت إلينور خلال عودتها من حفل تخرجها من المرحلة الابتدائية, في ذلك الوقت كان هنالك قاتل متسلسل في مدينتنا, في ذلك اليوم لم أستطع حضور حفلها لا أنا ولا والدها بسبب انشغالنا بالعمل وأخبرناها أن تعود لوحدها الى المنزل. لم أتخيل أبدًا أن طفلتي ستكون ضحية لذلك القاتل, لقد كانت المدرسة قريبة جدًا من منزلنا لذلك لم أفكر أن الأمر سيكون خطرًا لكن في النهاية قُتلت ابنتي. لا أستطيع تخيل كم كانت تشعر بالوحدة في ذلك اليوم كيف أنها لم تجد أي شخصٍ بجانبها ليحميها, أمضيتُ طوال تلك السنوات لا أستطيع أن أخطو خطوة واحدة الى داخل غرفتها بسبب إحساسي المستمر بأن الذي حدث لها كان بسببي, لكن قبل شهرٍ من الآن أمسكوا بذلك القاتل وبعد إعلان الحكم عليه ذهبت الى غرفة إلينور واستطعت الدخول اليها بعد كل تلك المدة, كانت الغرفة مليئة بالأتربة لذلك بدأت بتنظيفها وطوال ذلك كنت فقط أذرف الدموع وبينما أنظف مكتبها وجدت هذا الكتاب لقد تذكرت أنها كانت دائمًا تخبرني عنه وأنك يا روي أعرتها إياه لكي تقرأه, كانت تخبرني دائمًا أنها تود الذهاب بنفسها إليك وارجاعه لك وأنها تريد اخبارك الكثير من الأشياء, لذلك أخبرتها بعد تخرجها سآخذها لمقابلتك لكن ذلك لم يحدث أبدًا, أعتذر عن التأخر لإرجاع كتابك, سيصلك الكتاب في يوم تخرجك. أتساءل كيف كانت ستبدو إلينور بالزي المدرسي للمرحلة الإعدادية؟, على كل مبارك لك تخرجك وأرجو أن لا تكون قد نسيتَ إلينور.

ملاحظة: هنالك رسالة موجودة في نهاية الكتاب تركتها إلينور”

عندما انتهيت من القراءة كانت دموعي قد انهمرت بالفعل لم أستطع التصديق أن إلينور لم تعد على قيد الحياة, فتحت الكتاب ووجدت ورقة بخط طفل في المرحلة الابتدائية “روي, لقد انتهيت من القراءة لقد بكيت طوال الليلة الماضية, لقد أردت احتضان بطلة القصة لأنها أصبحت أكثر وحدة بعدما استرجعت ذاكرتها كليًا انه لمن المحزن حقًا أن تفقد أشخاصًا تحبهم ولا تستطيع إعادتهم إليكَ مرة أخرى.”

أمسكت الورقة بقوة ورفعتها الى وجهي وألصقتها فيه

 “ماذا عني أنا؟ من الذي سيقوم بإحتضاني يا إلينور؟”

ولأول مرة بكيت بطريقةٍ هستيرية

تلك كانت المرة الأولى والأخيرة التي استلمت فيها رسالة من حبي الأول.

تمت.

ضيفُ المنزل

للكاتبة أمبارو دافيلا

أنا لن أنسى أبدًا ذلك اليوم الذي أتى فيه ذلك الشخص للعيش معنا.

زوجي أحضره الى المنزل من رحلة. في ذلك الوقت كنا متزوجين منذ ما يقارب الثلاث سنوات, لدينا طفلين, ولم أكن سعيدة.

بالنسبة لزوجي أنا كنت فقط مثل قطعة من الأثاث, شيء اعتدت على رؤيته لذلك لم يعد هنالك أي ادنى انطباع عند رؤيته.

كنا نعيش في بلدة صغيرة, معزولة وبعيدة عن المدينة, بلدة ميتة تقريبًا أو على وشك الاختفاء.

لم أستطع حبس صرختي من الرعب حين رأيته لأول مرة, كان متجهم, شرير, عيناه كبيرتان ذو لونٍ أصفر, دائريتين وثاقبتين, لا يرمش, بدا وكأنه يخترق الأشياء والأشخاص من حوله. تحولت حياتي البائسة الى جحيم. في الليلة التي وصل فيها توسلت الى زوجي ألا يعذبني بمرافقته.

لم استطع المساعدة لقد أشعرني بالارتياب والرعب. قال زوجي “انه غير مؤذٍ تمامًا”, نظر الي بعدم مبالاة “ستعتادين على تواجده حولك, واذا لم تفعلي….” كان من المستحيل إقناعه بإخراجه, لذلك بقي في منزلنا.

لم أكن الوحيدة التي عانت بسبب وجوده, جميع من في المنزل شعر بالمثل, أطفالي, المرأة التي تساعدني في الأعمال المنزلية, طفلها الصغير.

زوجي فقط هو الذي كان مستمتعًا بوجوده.

من اليوم الأول زوجي أعطاه الغرفة التي كانت بزاوية المنزل, كانت غرفة كبيرة, لكنّها كانت مظلمة ورطبة وبسبب تلك العيوب لم أستخدمها أبدًا, مع ذلك بدا عليه الرضى كونها مظلمة تمامًا, انها تناسب رغباته. كان ينام حتى يحل الليل, ولم أكتشف ابدًا ما الوقت الذي ذهب فيه الى النوم.

لقد فقدت السلام الذي كنت أستمتع به في هذا المنزل الكبير.

 كان كل شيء يسير بسلالة خلال النهار, كنت أستيقظ مبكرًا, أُلبس الأطفال الذين قد استيقظوا بالفعل, أقدم لهم الإفطار, وألعب معهم بينما تهتم غودالوبي بالمنزل وتذهب للتسوق.

كان المنزل كبيرًا جدًا, مع حديقة تقع في المنتصف, وكانت الغرف تحيط بها, بين الغرف والحديقة يوجد ممر يحمي الغرف من الأمطار والرياح القاسية. لقد كان عملًا شاقًا للحفاظ على هذا المنزل الكبير وحديقته. لكنّي أحببت حديقتي. كان المدخل مغطى بالنباتات المتسلقة والتي كانت مزهرة طوال العام. أتذكر كم استمتعت بالجلوس في أحد هذه الممرات خلال فترة ما بعد الظهر وخياطة ملابس الأطفال, وسط رائحة أزهار العسل و الزهور الجهنمية. في الحديقة زرعت الأقحوان, زهرة الثالوث, زهرة البنفسج, نبات البيجونيا, وزهرة رقيب الشمس. بينما كنت أسقي النباتات, كان الأطفال يمتعون أنفسهم بالبحث عن اليرقات بين أوراق النبات. في بعض الأحيان كانوا يبقون لساعات هادئين, مُصرَّينَ على الإمساك بقطرات الماء التي كانت تتسرب من خرطوم الحديقة القديم.

لم أستطع منع نفسي من النظر نحو غرفة الزاوية, على الرغم من أنه كان يقضي كل يومه في النوم, لكنني لم أكن متأكدة من ذلك. كان هنالك مرة عندما كنت أصنع وجبة ما بعد الظهر, رأيت ظله فجأة منعكسًا على موقد الخشب, شعرت به يقف خلفي, رميت ما كان بيدي وركضت من المطبخ أصرخ كامرأةٍ مجنونة. عاد هو الى غرفته كأن شيئًا لم يحدث.

أعتقد أنه كان غير مدرك تمامًا بوجود غودالوبي, لم يقترب منها أو يتعقبها ليس كما كان يفعل معي ومع الأطفال, لقد كان يكرههم, وكان يتعقبني بشكل مستمر.

عندما يترك غرفته, تبدأ أسوء الكوابيس التي من الممكن أن يتحملها الشخص. كان يمركز نفسه تحت الشجرة الصغيرة الموجودة أمام باب غرفة نومي. توقفت عن مغادرة غرفتي.

 العديد من المرات كنت معتقدة أنه ما زال نائمًا, توجهت مباشرة الى المطبخ لصنع بعض الوجبات الخفيفة للأطفال, وفجأة اكتشفت انه موجود في أحد أركان الممر المظلمة, تحت الكروم المزهرة. صرخت بيأس “انه هنا بالفعل غودالوبي”.

أنا وغودالوبي لم نكن نشير اليه بأي اسم, بدا لنا ان القيام بذلك سيعطي حقيقة اكبر لهذا الكائن الغامض. كنا دائمًا نقول “ها هو, انه قادم, انه نائم, انه, انه, انه…”.

كان يأكل وجبتين فقط, واحدة حين يستيقظ وقت الغسق, والأخرى قد تكون في الصباح الباكر قبل أن يذهب الى النوم.

غودالوبي كانت المسؤولة عن احضار صينية الطعام له, أستطيع أن أضمن لك أنها كانت تدفعها لداخل الغرفة, يالا المرأة المسكينة كان يتملكها الخوف مثلما كان يتملكني. كان غذائه يقتصر فقط على تناوله للحوم, لم يكن يلمس أي شيء آخر.

عندما يذهب الأطفال الى النوم تحضر لي غودالوبي العشاء الى غرفتي, لم أكن أستطع ترك الأطفال وحدهم وأنا أعلم أنه مستيقظ أو على وشك ذلك. حين تنتهي من الأعمال المنزلية, غودالوبي تذهب الى النوم هي وطفلها الصغير, وأضل وحيدة, أشاهد أطفالي وهم يحضون بنومٍ هانئ. دائمًا ما يكون باب غرفتي غير مغلق, لم أجرأ على الذهاب الى النوم, خائفة من أنه في أي لحظة سيأتي ويهاجمنا. ولم يكن بإمكاني أن أغلقه, لأن زوجي كان يأتي الى المنزل في وقتٍ متأخر من الليل, واذا جاء ووجده مقفلًا, لكان اعتقد….., وقد عاد الى المنزل متأخرًا جدًا, قال مرةً أنه كان لديه الكثير من العمل. أعتقد أن أشياءً أخرى أبقته مشغولًا أيضًا.

ذات ليلة كنت مستيقظة حتى الساعة الثانية صباحًا, سمعته في الخارج… عندما استيقظت رأيته بجانب سريري ينظر إلي بعينيه الثاقبتين…قفزت من السرير وألقيت عليه مصباح الجازولين الذي كنت قد تركته مشتعلًا الليلة الماضية, لم يكن هنالك أي كهرباء في تلك البلدة, ولم أستطع البقاء في الظلام وأنا أعلم أنه من الممكن في أي لحظة أن….. تفادى الضربة وخرج من الغرفة. تحطم المصباح على الأرضية واشتعل البنزين بسرعة, اذا لم تكن هنالك غودالوبي التي ركضت إلي حين صرخت, كان المنزل قد احترق بالكامل. زوجي لم يمتلك وقتًا للاستماع إلي, ولم يهتم بما قد حدث في المنزل, كنا نتحدث فقط عند الضرورة القصوى. لم يعد للعاطفة والكلمات أي تأثير بيننا بعد الآن.

أشعر بالمرض كلما أتذكر…غودالوبي ذهبت الى التسوق وتركت ابنها الصغير مارتن نائمًا في الدرج حيث اعتادت أن تضعه خلال النهار. كنت أتفقده بين الحين والآخر, كان ينام بسلام.

قرب الظهيرة, كنت أمشط شعرطفليّ بينما سمعت بكاء الطفل الصغير مختلط بصرخات غريبة. عندما وصلت الى الغرفة وجدته يضرب الطفل بعنف. لا أستطيع وصف كيف انتزعت الطفل الصغير من قبضته واندفعت نحوه بعصا ثقيلة وجدتها في متناول يدي, وهاجمته بكل مشاعر الغضب التي كنت محتفظة بها منذ فترة طويلة. لا أعلم اذا كنت قد تمكنت من إلحاق الأذى به, لأني قد سقطت فاقدة للوعي. عندما عادت غودالوبي من التسوق وجدتني فاقدة للوعي وطفلها الصغير مغطى بكدمات وخدوشٍ دامية. كان الألم والغضب التي أحست بهما فظيعين. لحسن الحظ لم يمت الطفل وسرعان ما استعاد عافيته.

خشيت أن تذهب غودالوبي وتتركني وحيدة. واذا لم تفعل كان ذلك بسبب أنها امرأة شجاعة ونبيلة ولأنها كانت تشعر بالعاطفة نحوي ونحو الأطفال, لكنّها منذ ذلك اليوم قد تولدت لديها مشاعر الكراهية التي تُطالب بالانتقام.

عندما أخبرت زوجي بما حدث, طلبتُ منه أن يأخذه بعيدًا, توسلت إليه, إنه من الممكن أن يقتل أطفالنا بالطريقة نفسها التي حاول فيها قتل مارتن الصغير. “كل يوم تصبحين أكثر هستيريًا, انه من المؤلم حقًا أن أراكِ بهذا الشكل, لقد أوضحت لكِ ألف مرة إنه كائن غير ضار.”

فكرت حينها بالفرار من هذا المنزل, من زوجي, ومنه…لكن لم يكن لدي مال ولا طريقة سهلة للتواصل مع أي شخص. بدون أصدقاء أو أفراد عائلة أتوجه إليهم, شعرت بأني يتيمة.

أطفالي كانوا مرعوبين, لم يرغبوا باللعب في الحديقة بعد الآن ولم يتركوا جانبي أبدًا, عندما كانت غودالوبي تذهب الى السوق كنت أحبس نفسي في غرفتي معهم.

ذات يوم قلت لغودالوبي “لا يمكن أن يستمر هذا الوضع”

أجابت “علينا أن نفعل شيئًا, وبأسرعِ وقت”

“لكن ما الذي نستطيع فعله نحن الاثنان لوحدنا؟”

“وحدنا, صحيح, ولكن مع كل تلك الكراهية…..”

انبعث من عينيها بريقٌ غريب, شعرت بالخوف والاستمتاع في نفس الوقت.

وصلت الفرصة عندما لم نكن نتوقعها, غادر زوجي الى المدينة للقيام ببعض الأعمال, أخبرني أنه سيستغرق بعض الوقت للعودة, حوالي عشرين يومًا.

لا أعرف ما اذا كان على علمٍ بأن زوجي قد رحل, لكن في ذلك اليوم استيقظ في وقت أبكر من المعتاد ووقف أمام غرفتي. نامت غودالوبي وابنها في غرفتي, وللمرة الأولى تمكنت أخيرًا من إغلاق الباب.

قضيت أنا وغودالوبي الليل بطوله نضعُ الخطط, كان الأطفال ينامون بسلام. من وقتٍ لآخر سمعناه يقترب من باب الغرفة ويطرق عليه بعنف.

في اليوم التالي, أعطينا الأطفال الثلاثة وجبة الإفطار, كي يبقوا هادئين ولا يتدخلوا في خططنا, كنّا نغلق عليهم في غرفتي. كان لدي أنا وغودالوبي الكثير من الأشياء للقيامِ بها وكنّا في عجلة من أمرنا لإكمالها لدرجة أننا لم نجد الوقت حتى لتناول الطعام.

أحضرت غودالوبي عدة ألواح خشبية كبيرة ومتينة, بينما أحضرت المطرقة والمسامير, عندما أصبح كل شيء جاهزًا, تسللنا نحو غرفة الزاوية. كان جزء من الباب مفتوح, كتمنا أنفاسنا, أسقطنا المسامير, أغلقنا الباب وبدأنا بتثبيت الألواح الخشبية على الباب حتى أصبح محكم الإغلاق بالكامل. بينما كنا نعمل تساقط العرق من جباهنا.

 لم يصدر أي ضجيج, لقد كان يقع في النوم بسرعة. عندما انتهى كل شيء, عانقنا أنا وغودالوبي بعضنا البعض وبدأنا بالبكاء.

الأيام التالية كانت فظيعة. عاش عدة أيام بدون هواء, بدون ضوء, وبدون طعام. في البداية كان يطرق على الباب بعنف, يخدش عليه بأظافره, يرمي نفسه على الباب بقوة, كان يصرخ بيأس. لم يكن بإمكاني أنا وغودالوبي تناول الطعام أو النوم, كانت الصرخات رهيبة! في بعض الأحيان كنّا نظن أن زوجي سيعود قبل أن يموت, اذا وجده هكذا….كانت قدرته على التحمل عظيمة, أعتقد أنه استمر هكذا ما يقارب الأسبوعين.

وفي يومٍ من الأيام لم نعد نسمع أي ضجيج ولا حتى أنين, ومع ذلك انتظرنا يومين آخرين قبل أن نفتح الغرفة.

عندما عاد زوجي, استقبلناه بأخبار الوفاة المفاجئة لضيفه.

تمت.

مغامرةٌ في الغابة

                      

كان هنالك أربعُ صبية في الصف الخامس من المرحلة الابتدائية, جين, كوهارو, يوكي ودايكي

كانوا أصدقاء ويحبون التجول واللعب وصنع المغامرات.

وفي يوم من الأيام اقترح جين أن يذهبوا في مغامرة الى الغابة القريبة من قريتهم ليبحثوا عن الفيلة التي شاهدوها في التلفاز, وافق الثلاثة الآخرين وقرروا التسلل في الصباح الباكر من اليوم التالي

في اليوم التالي تقابلوا وكان كل واحدٍ منهُم قد أحضر حقيبة صغيرة فيها غطاء ومصباح صغيرين وبعض من الخبز ورقائق البطاطا والماء, وبدأوا رحلتهم في الغابةِ الكبيرة.

كانوا يسيرون ملتصقين ببعض كي لا يُفقد أحد, كانوا يتبادلون الحديث وما الذي سيفعلونه حينما يجدوا الفيلة.

أمضوا ساعات يبحثون عن الفيلة لكنّهم لم يجدوا شيئًا, لذلك قرروا أن يستريحوا قليلًا ثم يكملوا البحث

وبينما كانوا يستريحون ويتناولون رقائق البطاطا قال يوكي: ما رأيكم أن نعود أدراجنا يبدوا أننا لن نجدَ شيئًا وأيضًا اذا لم نعد قبل غروب الشمس سوف يقلقلون علينا.

لكن جين أجاب: يبدو أنك جبان يا يوكي, ليس من المفترض على المغامرين أن يكونوا جبناء أليس كذلك يا كوهارو ودايكي؟ لكنه لم يجد إجابة منهما

أردف جين: اذا كنتم تريدون العودة فالتعودوا لكنني سأبقى وسأجد تلك الفيلة وسوف تفوتكم هذه التجربة الممتعة. فكر الثلاثة قليلًا ثم وافقوا على البقاء مع جين ويكملوا البحث

حينها قال جين: لقد اخترتم الصواب وأيضًا لا تقلقوا سوف نجدهم بالتأكيد وسنعود قبيل الغروب ثقوا بي.

نهضوا جميعًا وأكملوا سيرهم وفي الطريق لاحظوا بركة وسمعوا أصوات فيلة ركضوا مسرعين الى هناك ووجدوا بعض الفيلة الصغيرة تشرب من البركة سعدوا جدًا أن مهمتهم نجحت وأنهم وجدوا الفيلة لعبوا بالبركة قليلًا ثم قال جين: هيا انه وقت العودة الآن أومأوا بالموافقة وبدأوا بالعودة, لكنّهم وفي وسط سعادتهم وحديثهم عن الفيلة لاحظوا أن الغابة ضخمه جدًا وأنهم لا يعلمون أي طريق هو طريق العودة, استمروا فقط بالمشي لكن كانت الشمس قد غربت بالفعل وأصبحت الغابة مظلمة وباردة, أخرجوا مصابيحهم الصغيرة ليستطيعوا الرؤية قليلًا بعد مرور ثلاث ساعات من المشي ازداد الجو برودة وتعب الصبية وبدأ الخوف يتسلل اليهم ثم فجأة قال يوكي: كل هذا بسببك يا جين لو أننا فقط عدنا أدراجنا قبل أن نغوص في هذه المتاهة لم نكن لنضيع, وافقاه كوهارو ودايكي

صرخ جين: لم أجبر أحدًا على القدوم معي أنتم الذين وافقتم على الاستمرار أليس كذلك؟ لا تتصرفوا كالضحايا وتلقوا علي باللوم الآن.

حل الصمت بعدها أردف جين: أعتذر لصراخي فلنجلس بمكاننا حتى طلوع الشمس كي نستطيع الرؤية جيدًا.

في الجهة الأخرى كانت عائلات الصبية الأربع قلقون للغاية لا يعلمون أين اختفى أطفالهم لقد بحثوا في كل مكان ولم يجدوهم حينها قالت والدة جين : أظن أن علينا البحث في الغابة لقد كان جين يحدثني عن الغابة حين رآها في التلفاز وانه يريد الذهاب اليها ولكني كنت ارفض

حينها قرر آباء الصبية الذهاب للبحث في الغابة بينما تبقى الأمهات في حال أن الصبية قد عادوا

كان الجو قد أصبح باردًا عند الصبية كان كل واحدٍ منهم يغطي نفسه بغطائه الصغير لكن دايكي كان يرتجف كثيرًا بسبب ضعف جسده لذلك اعطاه جين غطائه ليدفئ نفسه جيدًا عندها قال دايكي: وانت يا جين ألا تشعر بالبرد؟ أجابه جين: لا بأس انا بخير أستطيع تدفئة نفسي من خلال تناول الطعام.

ظل جين يتناول الخبز ويحاول أن ينسى شعوره بالبرد وبينما كان الآباء يبحثون في الغابة لساعاتٍ متواصلة كان قد حل الصباح, حينها سمعوا أصوات بكاء وصراخ بطلب النجدة حينها علموا أنهم الصبية تتبعوا صوت الصراخ مسرعين الى أن وجدوهم كانوا يغطون جين بأغطيتهم ويبكون قال كوهارو: لا نعلم ما الذي حدث له حين استيقظنا وجدناه هكذا لا يتحرك وتحولت لون شفتاه وأطرافه الى اللون الأزرق.

كان جين يتنفس لكنه كان فاقدًا للوعي وجسده بارد, حمل كل والدٍ ابنهُ على ظهره وبدأوا بالمشي عائدين الى القرية.

عاد الجميع بسلام الى القرية والى منازلهم لكنهم نقلوا جين الى المشفى

في اليوم التالي ذهب الأصدقاء الثلاثة الى المشفى لزيارة جين وبيدهم بعض الزهور والحلوى.

سعد جين لرؤيتهم, جلسوا حوله وبدأوا بتناول الحلوى ثم قال دايكي: أنا آسف يا جين لقد مرضت بسببي

رد جين: لا بأس انه ليس خطأك أنا المخطئ في كل ما حدث لم يكن علي أن أقترح الذهاب الى الغابة في بادئ الأمر أعتذر لكم بشدة يا أصدقاء, وأيضًا دعونا لا نفعل ذلك مرة أخرى أومأ الجميع برأسه موافقًا ووعدوا أن لا يذهبوا الى الغابة مرة أخرى, أكملوا تناولهم للحلوى وقاموا يتحدثون عن الفيلة ومغامرتهم لوالديهم بانبهارٍ ومتعة.

تمت

كهفُ الريح 

للكاتب هاروكي موراكامي


عندما كنتُ في الخامسة عشر, توفت أختي الصغرى. لقد حدث ذلك فجأة.

 لقد كانت في الثانيةَ عشر حينها, في سنتها الأولى بالمرحلة المتوسطة.

 هي قد ولِدَت بعيوبٍ خُلُقية في القلب, لكن منذ تلك الجراحات الأخيرة التي خضعت لها عندما كانت في المرحلة الابتدائية, لم يظهر عليها أي أعراض مرة أخرى, أنا وعائلتي شعرنا بالاطمئنان, تمسكنا بأملٍ ضعيفٍ على أن حياتها ستستمر بدون أي حوادث.

 لكن, في شهر مايو من تلك السنة, نبضاتُ قلبِها أصبحت غير منتظمة وكانت نبضاتها تزداد سوءًا عندما تستلقي, كانت تُعاني كثيرًا أثناء النوم.

 خضعت لِفُحوصات في المستشفى الجامعي, لكن بغضِ النظرعن نتائج فحوصاتها الأطباء لم يجدوا أي تغير في حالتها الجسدية. لأن المشكلة الأساسية تم علاجها من قبل عندما خضعت للعمليات, لذلك الأطباء كانوا في حيرةٍ من أمرهم.

أخبرها طبيبها أن عليها الابتعاد عن التمارين الشاقة وأن تتبعَ روتينًا منتظمًا, وأن حالتها سوف تتحسن قريبًا ثم كتبَ لها وصفةً طبية. لكن حالتها لم تتحسن مطلقًا. غالبًا عندما كنا نجلس حول طاولة الطعام كنتُ أنظر الى صدرها وأتخيل كيف هو قلبُها. قلبُ أختي قد خُلقَ بعيوب. ولم يستطع المختصون تحديد موقع العيب. تلك الحقيقة كانت تجعلني مضطربًا. قضيتُ مراهقتي في قلقٍ مستمر, خوفًا من أنه في أي لحظة سوف أفقدُ أختي الصغرى.

عندما كنّا في المرحلة الابتدائية والداي أخبراني أنه يجب عليَّ أن أراقبها جيدًا بسبب جسدها الضعيف, لذلك كانت عيناي تراقبنها طوال الوقت, كنتُ مستعدًا للمخاطرة بحياتي لحمايتها وحماية قلبها الصغير, لكن تلك الفرصة لم تأتي.

في يومٌ من الأيام حينما كانت عائدة من مدرستها وبينما كانت تصعد درج محطة سينبو شينجوكو, سقطت فاقدةً للوعي وأخذوها الى أقربِ مشفى. حينما سمعتُ بذلك ركضتُ بسرعة الى المشفى, لكن عندما وصلت كان قلبها قد توقفَ بالفعل. كلُ ذلكَ قد حدث في غمضةِ عين. في صباح ذلك اليوم قد تناولنا الإفطارسويًا, ودعّنا بعضنا البعض قبل الذهابِ الى المدرسة. لكن المرة التالية التي تقابلنا فيها هي قد توقفت عن التنفس, عيناها الكبيرتانِ أُغلقت الى الأبد, فمها الصغير كان مفتوحًا قليلًا كأنها كانت تود قولَ شيءٍ ما.

وفي المرة الأخيرة التي شاهدتها فيها كانت هي بداخل النعش. كانت ترتدي فستانها الأسود المخملي المفضل, مع القليل من المكياج على وجهها, شعرها كان ممشطٌ بعناية, وكانت ترتدي حذاءًا أسودًا مصنوعًا من الجلد. الفستان كان لديه طوقٌ من الدانتيل الأبيض, لذلك اللون الأبيض بدا غيرُ طبيعي.

مستلقيةٌ هكذا, بدت وكأنها تنعمُ بنومٍ هانىء, هِزها بخفة وهي سوف تستيقظ, ذلك ما بدا عليه الأمر. لكنهُ كان مجرد وهم, هِزها بقدرِ ما تريد, هي لن تستيقظَ أبدًا.

لم أكن أريد لجسدِ أختي الصغرى أن يكونَ محصورًا بداخل ذلك الصندوقِ الضيق. شعرتُ أن جسدها يجب أن يكون بمكانٍ أكثر سعة وراحة. كمثال نضعها بمكانٍ مليءٍ بالخضرة, نستطيع الذهاب وزيارتها, ندفع الأعشاب الخضراء الخصبة كلما ذهبنا لرؤيتها, العشب سيصدر حفيفًا بسبب الرياح, رائحة الزهور البرية ستملىء الهواء. عندما يحل الليل, السماء من فوقها ستكون منقطة بالنجوم الفضية. في الصباح, الشمس ستجعل قطرات الندى الموجودة على أوراق الشجر حولها تلمع كالجواهر. لكن في الواقع هي كانت فقط محشورةً بداخل نعشٍ تافه. الشيء الوحيد الذي كان يُزين المكان حول نعشها كان الورد الأبيض الموضوع في مزهريةٍ مشؤومة.

 كانت تحتوي الغرفة الضيقة التي كنا متواجدين فيها على مصابيح الفلورسنت والتي كان ضوئها موشِكٌ على الانتهاء, وكانت موسيقى الأرغن تأتي من مكبر صوتٍ صغير معلقٌ بأعلى الغرفة.

لم أستطع الوقوف ومشاهدتها وهي تحترق. عندما أغلقوا غطاء النعش, تركت الغرفة فورًا. لم أساعد عائلتي عندما كانوا يضعون عظامها في الجرة. ذهبت الى فناء المحرقة وبدأت البكاء بصمت. لم أساعد اختي الصغرى خلال حياتها القصيرة ولو لمرة واحدة, وذلك ما آلمني بشدة.

بعد موتِ أختي, عائلتي تغيرت. أبي أصبح قليل الكلام, أمي أصبحت أكثر عصبية ومزاجية, أما أنا استمريتُ في حياتي مثل السابق. انضممت الى نادي تسلق الجبال في المدرسة والذي كان يجعلني مشغولًا, وعندما تأتي أوقات لا نستطيع فيها التسلق كنتُ أرسمُ لوحاتٍ زيتية.

 معلم الفنية أوصاني أن أجدَ مدربًا جيدًا في الرسم وأن أبدأ دراسة الفن بجدية.

 أخذتُ الأمر بجدية وبدأت الذهاب الى صفوفٍ خاصة بالرسم.

 أعتقد أني كنتُ أود البقاء مشغولًا طوال الوقت لكي لا أفكر في اختي المتوفاة.

منذ وقتٍ طويل والِداي أبقيا غرفتها كما هي. كتبها المدرسية, دليل الدراسة, أقلامُ الحبر, الممحاة, قصاصات الورق على مكتبها, ملاءتها, بطانياتها, وسادتها, ملابسها, بجامتها, زيها المدرسي المعلق في الخزانة, جميع الأشياء لم يلمسها أحد. التقويم المعلق على الجدارما زال باقيًا على ذلك الشهر التي توفت فيه, وكأن الوقت تجمد على هذا الحال. غرفتها تشعرني كما أنها في أي لحظة ستفتح الباب وتدخل. في بعض الأحيان حينما لا يكون والداي بالمنزل أذهب الى غرفتها وأجلس بلطف على سريرها المرتب بعناية, وأنظر حولي. لكن لم أكن ألمس أي شيء, لم أكن أريد بعثرة أشيائها الصامتة التي تركتها خلفها,لأنها علامات تدل على أن أختي كانت على قيد الحياة في يوم ما.

دائمًا ما أتخيل أي نوع من الحياة كانت ستعيشها اذا لم تكن توفت في الثانية عشر. على الرغم من عدم وجود طريقة تُمكنُنِي من معرفة ذلك. لأنني لا استطيع حتى تصور كيف ستكون حياتي, لذلك لا أملك أي فكرة عن ماذا كان سيحمل مستقبلها. لكن الشيء الوحيد الذي أعرفه أنه لو لم تكن تملك مشاكل في قلبها الصغير كانت ستكبر لتكون شخصًا جذّابًا. أنا متأكد أنه سيكون هنالك الكثير من الفتيان الذين سيقعون بحبها, يضعونها بين أذرعتهم, لكني لم أكن أتخيل ذلك بالتفصيل. لأنه بالنسبة لي هي للأبد كانت ستبقى أختي التي تصغرني بثلاث أعوام والتي أحتاج الى حمايتها.

بعد موتها أصبحت أرسمها عدة مرات بجميع الزوايا, أرسم وجهها الذي أتذكره حتى لا أنسى. لا أقصد أني نسيتُ وجهها, لأنه سيبقى محفورًا بذاكرتي الى أن أموت. ما سعيت لأجله في ذلك الوقت كان أن لا أنسى ذلك الوجه الذي كنتُ أتذكره. ومن أجل القيام بذلك, اضطررت لأن أعطيها هيئة عبر الرسم. كنتُ في الخامسة عشر فقط حينها لذلك لم أكن أعلم الكثير عن الذاكرة, الرسم, ومرور الوقت. لكن الشيء الوحيد الذي كنت أعلمه, أني بحاجة للقيام بشيء من أجل الاحتفاظ بما سجلته ذاكرتي وقتها. اتركها لوحدها, وسوف تختفي في مكانٍ ما. بغض النظر عن مدى قوة الذاكرة, سيبقى تأثير الوقت هو الأقوى, كنتُ أعلم ذلك بالفعل. كنت أجلس وحيدًا في غرفتها على سريرها وأرسمها. كنت أحاول اعادة نسخ صورتها الموجودة في ذهني على ورقة فارغة, كنت أفتقر للخبرة والمهارة الفنية آنذاك, لذلك لم تكن عملية سهلة. كنت أرسم, أرسم وأمزق, بلا نهاية. لكن الآن حينما أنظر الى تلك الرسومات التي احتفظت بها منذ ذلك الحين, أستطيع أن أرى أنها مليئة بالحزن. قد تكون غير متقنة من الناحية الفنية, لكنّها كانت نتيجة لجهدٍ مُخلَص, روحي كانت تحاول ايقاظ أختي حينها. عندما نظرت الى تلك الرسومات, لم أستطع تمالك نفسي وبكيت. لقد قمت بالرسم مراتٍ لا تعد ولا تحصى منذ ذلك الحين, لكن لا شيء مما رسمته جعلني أبكي.

موت أختي كان له أثرٌ آخر علي, لقد أُصبتُ برِهاب الأماكن الضيقة. منذ أن رأيتها وضِعَت في ذلك النعش الضيق وأُغلِق عليها وأُخِذت للمحرقة, أصبحت غير قادرعلى الدخول الى الأماكن الضيقة أو المغلقة. لمدة طويلة أصبحت لا أستخدم المصاعد, كنت أقف مقابل المصعد وأفكر أنه حينما سأصعد عليه سوف يتوقف عن العمل بسبب هزة أرضية وسأكون محاصرًا في تلك المساحة الضيقة, مجرد التفكير في ذلك كان يصيبُني بالهلع.

لم تظهر الأعراض بعد وفاة أختي مباشرةً, لكنّها بدأت بالظهور بعد مرور ثلاث سنواتٍ من وفاتها. كانت المرة الأولى التي أواجه فيها تلك النوبات عندما بدأت الذهاب الى مدرسة الفنون, كنت أعمل بدوام جزئي مع شركة نقل. كنتُ مساعد السائق في صندوق الشاحنة, كنت أحمل الصناديق وأُخرِجُها. وفي يوم من الأيام حُجزت بداخل الشاحنة عن طريق الخطأ. في ذلك اليوم كانت ساعات العمل قد انتهت والسائق قد نسي تفقد ما اذا كان لا يزال هنالك شخص في الشاحنة, و قام بإغلاق الباب الخلفي من الخارج. مرت ساعتان ونصف قبل أن يفتح الباب وأتمكن من الزحف الى الخارج. طوال الوقت كنتُ في مكان مظلم محكم الإغلاق. لم تكن شاحنة تبريد أو شيء من هذا القبيل, لذلك كانت هنالك فجوات حيث يمكن أن يدخل الهواء اليها, لو كنت فكرت في ذلك بهدوء كنت سأعلم أنني لن أختنق. لكن,  كان الخوف مسيطرًا علي. كان هنالك كمية كبيرة من الأكسجين, ولكن بغض النظرعن مدى محاولتي للتنفس بشدة لم أتمكن من استنشاقه. لقد أصبح تنفسي غير منتظم وبدأت باللهث. أُصبت بالدوار وأصبحت أخبر نفسي “لا بأس, فالتهدأ سوف تخرج من هنا قريبًا, انه لمن المستحيل أن تختنق هنا”. لكن ذلك لم يجدي نفعًا. الشيء الوحيد الذي كان يدور في عقلي كانت أختي الصغرى, محشورة في ذلك النعش الضيق المتجه نحو محرقة الجثث. بذعر, ضربت بقوة على جدار الشاحنة. الشاحنة كانت في موقف السيارات الخاص بالشركة, جميع الموظفين كان عملهم قد انتهى وعادوا الى منازلهم. لا أحد لاحظ أنني كنت مفقود. ضربت بقوة كالمجنون, لكن لا أحد يسمع. كنت أعرف ذلك, أنني لو كنت غير محظوظ اذًا سأبقى محتجزًا بالداخل الى الصباح, عندما فكرت بذلك شعرت بأن عضلاتي على وشك التمزق. كان حارس الأمن لديه مناوبة ليلية وكان يتأكد من موقف السيارات, والذي أخيرًا قد لاحظ وجودي بسبب الضوضاء الذي كنت أصنعها وفتح لي الباب. عندما رأى كم كنتُ مضطربًا ومرهقًا أخذني وجعلني أستلقي على السرير في غرفة الاستراحة الخاصة بالموظفين وأعطاني كأسًا من الشاي الحار. لا أعلم كم المدة التي بقيت فيها مستلقيًا, لكن وأخيرًا عاد تنفسي لوضعه الطبيعي. كان الفجر قد بدأ بالطلوع, شكرتُ حارس الأمن وركبتُ اول قطار من ذلك اليوم عائدًا الى المنزل. استلقيت على سريري, وظللت أرتعش كالمجنون لوقتٍ طويل. منذ ذلك اليوم والمصاعد تجعلني أشعر بنفس الشعور. تلك الحادثة قد أيقظت الخوف الذي كان يكمن داخلي, ليس لدي شك في أن ذلك بدأ بسبب ذكرياتي عن أختي الصغرى المتوفاة. ليست المصاعد فقط بل أي مكان مغلق. لم أستطع حتى مشاهدة الأفلام التي تحتوي على مشاهد للغواصات أو الدبابات, كنت لا أستطيع التنفس فقط بمجرد تخيل نفسي بداخل تلك الأماكن. في كثيرٍ من الأحيان اضطررتُ لترك المسرح, وبسبب ذلك كنتُ نادرًا ما أذهب الى السينما مع شخصٍ آخر.

عندما كنتُ في الثالثة عشر وأختي كانت في العاشرة, سافرنا نحن الاثنان فقط خلال العطلة الصيفية الى مقاطعة ياماناشي. أخ والدتي يعمل هناك كباحث مختبرات في الجامعة, لذلك ذهبنا للبقاء عنده. تلك كانت أول رحلة نذهب اليها لوحدِنَا نحن الأطفال. صحةُ أختي كانت جيدة نسبيًا حينها, لذلك والدانا أعطونا الإذن بالسفر لوحدنا.

خالُنا مع انه قد وصل الى الثلاثين لكنه كان ما يزال أعزبًا والى الآن, أعتقد أنه كان يعمل على الأبحاث الجينية, لقد كان هادئًا جدًا وغير اجتماعي, على الرغم من أنه شخصٌ ذات عقلية منفتحة و صريح. كان يحب القراءة ويعلم كل شيء عن الطبيعة. كان يستمتع بأخذ جولات في الجبال أكثر من أي شيء آخر. وكما قال أن بسبب ذلك هو قد قرر الحصول على وظيفة جامعية في منطقة ريفية, جبال ياماناشي. أنا وأختي أحببنا خالنا جدًا.

حملنا حقائبنا على ظهورنا, صعدنا على القطار السريع من محطة شينجكو مُتجِهُون الى ماتسوموتو, ثم نزلنا في كوفو. خالنا جاء ليصطحبنا من محطة كوفو.  كان طويلًا بشكل مذهل, لذلك حتى بين الزحام استطعنا ايجاده على الفور. كان هو وصديقٌ له قد استأجروا منزلًا صغيراً في كوفو, لكن صديقه كان مسافرًا للخارج لذلك تم اعطاؤنا غرفة خاصة لنا للنوم فيها. بقينا لمدة أسبوع في ذلك المنزل, وكل يوم كنا نأخذ جولاتٍ في الجبال القريبة مع خالي. كان يُعلِمُنا أسماءَ العديدِ من الزهورِ والحشرات. لقد اعتززنا بذكرياتنا عن ذلك الصيف.

في يومٍ من الأيام, ذهبنا أبعدَ قليلًا من المعتاد, ذهبنا لزيارة كهف الريح القريب من جبل فوجي. بين العديد من كهوف الريح القريبة من جبل فوجي ذلك كان أكبرهم.

أخبرنا خالنا عن كيفية تشكل تلك الكهوف. قال أنها مصنوعة من البازلت* لذلك لا يستطيع أحد أن يسمع أي صدى بداخلها, حتى في الصيف تبقى درجات الحرارة منخفضة؛ وكان البشر قديمًا يخزنون الثلج بداخله في الشتاء. ثم أوضح لنا أن هنالك نوعين من تلك الكهوف, أكبرها يسمى فوكيتسو وهي كبيرة جدًا بما يكفي ليدخل البشر اليها, بينما الأصغر تسمى كازا-آنا وهي صغيرة جدًا لا يستطيع أحد الدخول اليها. كان كِلَا المصطلحينِ لهما نفس الكتابة بالطريقة الصينية والتي تعني “رياح” و “ثقب”, لقد بدا لي أن خالي يعرف كل شيء.

في كهف الريح الكبير دفعنا رسوم الدخول ودخلنا الى الكهف. خالنا لم يذهب معنا لقد قال أنه ذهب الى هناك العديد من المرات, وأيضًا لقد أصبحَ طويلًا جدًا وسقف الكهف منخفض وذلك سيصيبه بألم في الظهر. قال “انه ليس خطِرًا, امضيا قدما” أخبرنا أنه سيبقى عند المدخل ويقرأ كتابًا الى حين خروجنا. سلمنا الشخص المسؤول مصابيح يدوية ووضع علينا خوذة صفراء اللون. مع انه كان هنالك اضواء معلقه في سقف الكهف الا انه كان لا يزال مظلمًا. ذهبنا أعمق وأصبح السقف منخفضًا جدًا, لا عجب أن خالنا بقي في الخارج.

أنا واختي الطفلة أشعلنا الاضواء التي كانت معلقة في أرجلنا كما دخلنا. كان منتصف الصيف في الخارج بينما كان الجو باردًا داخل الكهف, بنصيحة من خالي ارتدينا ستراتٍ واقية سميكة كنا قد احضرناها معنا. أمسكت أختي يدي بإحكام, لا أعلم اذا كانت تودُ مني حمايتها أم اذا كانت تود هي حمايتي او أنها كانت فقط لا تود أن ننفصل. طوال الوقت كنا بداخل الكهف الصغير, يدٌ دافئة كانت تمسك بيدي. كان أغلب الزوار ثنائيات في منتصف العمر, لكنّهم سرعان ما غادروا, وبقينا نحن الاثنان فقط.

كان اسم أختي الصغرى كوميتشي, لكن جميع من في العائلة كان يناديها كومي, وأما أصدقائها فكانوا ينادونها ميتشي أو مي تشان. على حد علمي, لم يكن هنالك أحد يناديها بإسمها الكامل كوميتشي. كانت فتاة صغيرة وضئيلة, كان شعرها أسود وناعم كان مقصوص بدقة لفوق كتفيها. كانت عيناها كبيرتان بالنسبة لحجم وجهها, مما جعلها تشبه الجنية. في ذلك اليوم كانت ترتدي قميصًا أبيض, جينز باهت, وأحذية رياضية وردية.

بعدما تعمقنا بداخل الكهف, اكتشفت اختي جانب صغير من الكهف بعيد قليلًا عن الطريق المحدد. كانت فتحة مخفية بين ظلال الصخور. كانت مهتمة جدًا بذلك الكهف الصغير. سألتني “ألا تظن أنه يشبه ثقب أرنب أليس؟”

أختي كانت معجبة كبيرة لمغامرات أليس في بلاد العجائب للكاتب لويس كارول. لا أعلم كم من المرات جعلتني أقرأ لها هذا الكتاب, غالبًا مالا يقل عن المئة مرة. لقد كانت قادرة على القراءة منذ أن كانت صغيرة, لكنها كانت تحبني أن اقرأ لها ذلك الكتاب بصوتٍ عالي. لقد حفِظَت القصة, ومع ذلك في كل مرة كنتُ أقرأهُ لها هي تصبح متحمسة. الجزء المفضل لها كان لوبستير كوادريل*, حتى الآن أتذكر ذلك الجزء كلمة بكلمة.

قلت “على الرغم من عدم وجود أرنب”

قالت”سأذهب الى الداخل وألقي نظرة خاطفة”

قلت”كوني حذرة”

كانت حقًا حفرة ضيقة قريبة من كازا-آنا, ولكن أختي الصغرى استطاعت الدخول خلالها بدون أي صعوبة. كان معظم جسدها في الداخل, فقط الجزء السفلي من ساقيها كانا عالقين في الخارج. بدا أنها تضيء مصباحها بداخل الحفرة. ثم خرجت ببطء الى الوراء.

أبلغتني”انه يصبح عميقًا حقًا في الخلف” “تنخفض الأرضية بشكلٍ حاد تمامًا مثل ثقب أرنب أليس, سأذهب لأتفقد أبعد نهاية”

قلت “لا لا تفعلي, انه خطر جدًا”

قالت “لا بأس, أنا صغيرة الحجم وأستطيع الخروج”

خلعت السترة الواقية و بقيت فقط بقميصها, أعطتني سترتها وخوذتها, وقبل أن أنطق بأي كلمة تعبرعن احتجاجي هي قد ذهبت الى داخل الكهف, مصباحها في يدها وفورًا اختفت.

مر وقتٌ طويل لكنّها لم تعد ولم أكن أسمع أي صوت. ناديت بداخل الحفرة “كومي هل أنتِ بخير؟” لكن لم يكن هناك أي اجابة, بدون أي صدى صوتي امتُصَ بداخل الظلام.

بدأت أقلق, ربما هي قد علقت بداخل الحفرة غير قادرة على الحركة الى الأمام أو حتى العودة. أو ربما أصابها اضطراب وفقدت الوعي. لو كان ذلك الذي حدث اذًا لم أكن لأستطيع مساعدتها. جميع أنواع السيناريوهات السيئة ركضت لداخل رأسي, وشعرتُ بأني أختنق بواسطة الظلام المحيط بي.

لو حقًا أختي الصغيرة اختفت بداخل الحفرة ولم تعد الى هذا العالم كيف سأوضح هذا لوالديّ؟ أيجب علي الركض واخبار خالي الذي ينتظر بالخارج؟ أم علي فقط البقاء ساكنًا وأنتظر عودتها؟ انحنيت للأسفل وأمعنت النظر بداخل الحفرة لكن شعاع المصباح الخاص بي لم يصل بعيدًا كانت حفرة صغيرة تغمرها الظلمة.

نادت مرة أخرى “كومي” لكن لا اجابة ناديت بصوتٍ أعلى “كومي” لكن لا يزال لا يوجد اجابة.

موجة من الهواء البارد جعلتني أقشَعرُ حتى الصميم, أنا ربما فقدتُ أختي الصغرى الى الأبد. ربما هي علقت بحفرة أليس, بعالم موك تورتل, القط تشيشر, وملكة القلوب. مكانٌ لا وجود للمنطق فيه. فكرت لم يجدر بنا القدوم الى هنا.

لكن أخيرًا أختي قد عادت. لم تعد بالطريقة التي دخلت فيها لكن كانت تزحف أخرجت رأسها أولًا, ظهر شعرها الأسود من الحفرة أولًا ثم كتفيها ثم ذراعاها وأخيرًا أحذيتها الرياضية الوردية. وقفت أمامي بدون أي كلمة تمددت, أخذت نفسًا عميقًا ببطىء, ونفضت الأوساخ من على بنطالها الجينز.

قلبي كان ما زال يخفق, اقتربت منها ورتبتُ شعرها الأشعث, لم أستطع ترتيبه جيدًا بسبب الضوء الضعيف بداخل الكهف, لكن كان يبدو أن بعض الأتربة والأوساخ قد التصقت بقميصها الأبيض, وضعت عليها سترتها الواقية وناولتها قبعتها الصفراء.

احتضنتها وقلت “ظننتُ أنكِ لن تعودي مرة أخرى”

“هل كنتَ تشعر بالقلق؟”

“كثيرًا”

أمسَكَت يدي بإحكام وبصوتٍ متحمس قالت “تمكنت من عصر نفسي خلال الجزء الضيق, وبعد ذلك في الأعماق, أصبحت الحفرة منخفضة فجأة, ومن الأسفل هناك كانت تبدو كغرفة صغيرة, غرفة دائرية كالكرة. كان السقف أيضًا دائري, والجدران مستديرة, والأرضية أيضًا. كان الصمت يعم المكان هناك, صمتٌ شديد, لو بحثت حول العالم بأكمله لن تجد مكانًا يعمه الصمت الشديد هكذا. كنت أشعر وكأنني في فوهة عميقة بداخل أعماق المحيط. أغلقت مصباحي اليدوي وأصبح المكان شديد الظلمة, لكنني لم أشعر بالخوف أو الوحدة مطلقًا. تلك الغرفة كانت مكانًا خاص وأنا الوحيدة التي يُسمح لها بالدخول اليه. غرفة مخصصة لي فقط. لا أحد يستطيع الدخول اليها, حتى أنت لا يمكنك الدخول.”

“لأنني كبيرٌ جدًا”

أومأت أختي الصغرى برأسها “صحيح, انك كبيرُ جدًا على الدخول. والمدهش في ذلك المكان أنه مظلم جدًا أكثر من أي مكان. مظلم جدً لدرجة أنه عندما تطفىء مصباحك اليدوي تشعر أنه بإمكانك الاستيلاء على الظلام بكلتا يديك. تشعر أن جسدك يتضائل تدريجيًا ويختفي. لكن بما ان المكان مظلم لا تستطيع رؤية ذلك وهو يحدث. أنت لا تعلم اذا كنت لا تزال تملك جسد أم لا. لكن على سبيل المثال, حتى لو اختفى جسدي بصورة كاملة, سأبقى هناك. مثل ابتسامة القط تشيشر حتى بعد أن اختفى بقيت ابتسامته. غريبُ جدًا, ها؟ لكن عندما كنتُ هناك لم أفكر أن ذلك غريبٌ مطلقًا. لقد كنتُ أود البقاء هنالك الى الأبد, لكن فكرت أنك ستصبح قلقًا لذلك عدت.”

قلت “دعينا نخرج من هنا” لقد كانت متحمسة للغاية حتى بدا أنها ستستمر بالتحدث الى الأبد, وكان علي أن أضع حدًا لذلك. “لا أستطيع التنفس جيدًا هنا”

سألتني أختي بقلق “هل أنتَ بخير؟”

“أنا بخير, أنا فقط أريد الخروج من هنا”

تشابكنا الأيادي وتوجهنا الى المخرج.

“هل تعلم؟” قالتها أختي بصوتٍ منخفض بينما نسير حتى لا يسمعها أحد على الرغم من عدم وجود أي شخص حولنا

“أليس موجودة حقًا.  لم يكن خيالًا, كان حقيقيًا. الأرنب مارتش, بائع القبعات المجنون, القط تشيشر, جنود بطاقات اللعب, جميعهم موجودون.”

قلت “ربما”

خرجنا من كهف الريح, عدنا الى العالم الحقيقي المشرق. كان هنالك القليل من الغيوم في سماء ظُهر ذلك اليوم, لكنني أتذكر كيف بدت أشعة الشمس ساطعة. كان صرير حشرات الزيز طاغٍ كالعاصفة العنيفة التي أغرقت كل شيء. كان خالي يجلس على مقعد بالقرب من المدخل, مستغرقٌ في كتابه. عندما رآنا ابتسم ابتسامة عريضة ووقف.

بعد مرور عامين, توفت أختي الصغرى, وضِعَت في نعشٍ ضيق واحتُرقت. كنت في الخامسة عشر وكانت في الثانية عشر. بينما كانت تحترق خرجتُ من الغرفة, بعيدًا عن أفراد العائلة, جلست على مقعد في فناء المحرقة, وتذكرت ما حدث في كهف الريح. ثقل الوقت عندما كنت أنتظرها لكي تخرج, الظلام الدامس الذي كان يطوقني, القشعريرة العميقة التي شعرت بها, شعرها الأسود الذي خرج من الحفرة أولًا, أكتافها, والأوساخ التي كانت ملتصقة على قميصها الأبيض.

في ذلك الوقت, فكرت, ربما حتى قبل أن يعلن الطبيب رسميًا وفاة أختي بعد ذلك بعامين, حياتها كانت قد أُخذت منها عندما كانت في أعماق ذلك الكهف. لقد كنت فعلًا مقتنعًا بذلك. لقد اختفت في تلك الحفرة بالفعل, وغادرت هذا العالم, لكنني أخطأت التفكير وظننتها على قيد الحياة, وضعتها بداخل القطار وأعدتها الى طوكيو معي. أمسكت يدها بإحكام وعشنا كأخٍ وأخت لمدة عامين آخرين. لكن ذلك لم يكن أكثر من فترة سماح على الاقتراض. بعد عامين زحف الموت من خارج الكهف وأمسك بروح أختي الصغرى. كما لو أن الوقت قد حان لإعادة ما أُقرضَ لنا, وأتى المالك ليستعيد ما هو مُلكه.

بعد عدة سنوات كشخصٍ بالغ, أدركت أن ما قالته لي أختي الصغرى بصوتٍ منخفض في كهف الريح كان صحيحًا بالفعل. أليس حقًا موجودة في هذا العالم, الأرنب مارتش, بائع القبعات المجنون, القط تشيشر, جميعهم هنا.

 *صخور نارية بركانية 
*أغنية غنتها الشخصية موك تورتل في كتاب أليس في بلاد العجائب