يا بؤس قلبٍ لا يراكَ تُجيبُ

(1)

انتهى الصف الأخير لهذا اليوم, خرج الجميع من قاعة الصف وظللت أنا لأراجع بعض الدروس, حينها نظرتُ الى النافذة الزجاجية التي بجانبي, كانت تطل على الحرم الجامعي, كان هنالك أشخاص يسيرون وآخرين يجلسون على الكراسي الموضوعةِ تحت الشجر.

كان الغروب قد حل, الشفق الأحمر يغطي السماء وأوراق الخريف تتساقط بسبب الرياح. في كل مرةِ يحل فيها الخريف أتذكرُ صديقي الذي توفي في هذا الفصلِ.

(2)

لقد كنتُ في السنة الخامسة من المرحلة الابتدائية حينها, كنت طفلًا هادئًا لا يحب الإختلاط كثيرًا بالأشخاص, كنت أحب الجلوس في المنزل وممارسة هوايتي المفضلة وهي الرسم. في يومٍ من الأيام أتت والدتي وأخبرتني أن آتي معها الى حفلة ميلاد ابنُ جارتِنَا التي تسكنُ في الشقة التي أمامنا. أخبرتني أنني سأجد الكثير من الأطفال الذين هم في نفس عُمُري, كنت سأرفض القدوم حتى أخبرتني أنه سيكون هنالك الكثير من المثلجات والحلوى, لذلك قررت الذهاب. أخذتُ معي كراسة رسمي وألواني وذهبنا. عندما دخلنا الى منزلهم وجدت الكثير من الأطفال الذين يركضون ويلعبون والأمهات يتبادلون الأحاديث ويضحكون, كان يبدو الجميع مبتهجًا إلا فتًا يجلس بعيدًا عن الكل على كرسيٍ متحرك قريبًا من الشرفة, كان يتأمل الجميع بابتسامة. حينها قالت والدته وهي توزع أطباق الكعك على الأطفال “تعلمون, هذه الكعكة من اختيار أوليفر. لقد أراد أن يستمتع الجميع بتناولها لذلك ما رأيكم باللعب معه بعد أن تنتهوا من تناول الكعك؟”

نظر الأطفال له بنظراتٍ غريبة ثم أعادوا النظر لبعضهم البعض “ح..حسنًا س…سنفعل” وبدأوا يتناولون الكعك لكن ببطءٍ شديد, شعرتُ بأنهم يفعلون ذلك عمدًا كي لا يلعبون معه. عندما نظرتُ الى الفتى وجدت الدموع تتساقط من عينه, وبابتسامةٍ حزينة توجهت والدته نحوه ربتت على رأسه ثم أمسكت بيده “لا حاجة للبكاء أنا سألعب معك.” قالت

“روي لماذا لا تذهب وتتحدث معه؟” أخبرتني أمي بابتسامة

لكي أكون صادقًا لقد كنتُ خائفًا قليلًا لأنه لم يسبق لي أن رأيتُ طفلًا على كرسيٍ متحرك, الفتى أيضًا لم يكن يتحدث لذلك ظننتُ أنني لن أستطيع التعامل معه. لكن والدتي شجعتني لذلك قررت الذهاب, أخبرتها أنني سآخذ قطعة من الكعك له أيضًا لكنّها أخبرتني أنه لا يستطيع تناول هذه الأشياء وأن لهُ طعامًا مخصصًا لهُ فقط. فكرتُ كم أن هذا محزن.

(3)

اقتربتُ منه رويدًا رويدا ورأيتُ ابتسامة على وجهه, مددت يدي لأصافحه لكنّهُ لم يمد يده وظل مبتسمًا فقط. ظننتُ أنه لا يريد مصافحتي لكن اتضح لي أنه لا يستطيع تحريكَ يديهِ ورأسه مثلما قدميه, لذلك أمسكتُ بيده كمصافحة وابتسمت. كان ملمس جلده طريٌ ورقيق أي أنه لو تعرض لأي إصابة فأعتقدُ أنها ستكون مشكلة كبيرة.

(4)

جلستُ أمامه وقلت “تعلم هوايتي المفضلة هي الرسم, هل أريكَ بعضًا من رسوماتي؟”

ابتسم لذلك فهمتُ أنها موافقة. فتحتُ له الكراسة وبدأت أريه الرسومات وأشرح لهُ كل رسمة وما الذي كنتُ أفكر بهِ وأنا أرسم. وكان يصدر صوتًا يشبه صوت الأطفال الرضع وكأنهم يحاولون التحدث, فهمت هكذا أنه يتحدث. انتهى اليوم وعندما كنا على وشك الخروجِ من الباب كان يصدر ذلك الصوت ولكن بصوتٍ عالي قالت والدته “إنها أول مرة أراه سعيدًا هكذا, شكرًا روي.” كانت تربتُ على رأسي وعلى وجهها ابتسامة حقيقية غير التي كانت تبتسمها من قبل والتي كان يتضح من خلالها أنها حزينة.

“فلتأتي للعب مرة أخرى” قالت وهي تلوح لنا.

لا أعلم لماذا لكنني شعرت بشعورٍ جيد ذلك اليوم وأيضًا لأنني استطعت التحدث مع شخصٍ آخر عن هوايتي غير والدتي, كنت سعيدًا. أصبحتُ أذهب إليه كل يومٍ بعدما أنتهي من فروضي المدرسية. كنت أحب التحدث إليه وأن أريهِ رسوماتي الجديدة. وكانت تغمرني السعادة عندما يصدر ذلك الصوت الذي كان يدل على أنه مستمتع وسعيد.

(5)

كان منتصفُ الخريف عندما أصبتُ بالحمى لدرجة بقيتُ مستلقيًا في السرير لمدة يومين. في اليوم الثالث من  مرضي كنتُ مغمضًا عيناي من إرهاق الحمى, حينها سمعتُ صوت عجلات تُجر لداخل غرفتي, حينها فتحت عينايَ سريعًا “أوه انه أوليفر” قلت بداخلي

كنتُ سعيدًا جدًا لرؤيته, اقترب مني هو ووالدته “أرجو أن تتعافى سريعًا.” قالت والدته

“كان أوليفر قلقًا عليك لذلك قررنا زيارتك اليوم.” ثم مدت إلي كراسة رسم “إنها هدية من أوليفر.” ابتسم وأصدر ذلك الصوت. حينها ابتسمت وأمسكتُ يده “شكرًا لك” قلتها بصوتٍ مرهق, أصدر ذلك الصوت مرة أخرى وكأنه يقول “فلتتحسن سريعًا”

أومأتُ له وشعرت بالدوار حينها وأغمضت عيناي وغطيتُ في النوم بدون أن أشعر.

في اليوم التالي شعرت بالتحسن لكن والدتي أصرّت على أن أبقى في السرير الى أن أتعافى تمامًا. لذلك قررت أن أرسم, أمسكتُ كراسة الرسم الجديدة والألوان وقررتُ رسم أوليفر. رسمته وهو يجلس وحوله الكثير من الأشجار وزهور القرنفل وينظرُ الى غروبُ الشمس. عندما انتهيتُ تمنيتُ أن أتعافى سريعًا لكي أذهب إليه وأريه الرسمة.

(6)

بعد مرور أسبوع عدت إلى روتيني المعتاد أخيرًا.

عدت الى المنزل راكضًا ذلك اليوم, رميتُ حقيبتي على الأرض وركضتُ لغرفتي لأحضر الكراسة وأذهب الى أوليفر. أحضرتها ووقفت عند الباب أستعد للخروج صرخت بصوتٍ عالي “أمي سوف أذهب لزيارة أوليفر حسنًا؟”

حينها أتت والدتي وبصوت شخصٍ يحاول ألا يبكي قالت “انتظر, روي”  

لاحظتُ أنها كانت ترتدي ملابس سوداء اللون وتحاول أن تقول شيئًا ما لكنّها بدأت بالبكاء فجأة. “أمي, ماذا حدث؟ لماذا تبكين؟” سألت

بعدما هدأت قليلًا قالت “روي…لقد توفيَّ أوليفر في الليلة الماضية بسبب تآكُلِ رِئتيه, والآن يقام العزاء في منزلهم.”

“ماذا؟ ما الذي تقولينهُ فجأة؟ لا أصدقكِ, عندما سأفتحُ الباب الآن وأذهب سأجده ينتظرني كالمعتاد بابتسامته.”

فتحت الباب وخرجتُ متجهًا الى باب منزلهم متجاهلًا نداء والدتي لي. عندما وجدت باب منزلهم مفتوحًا ويدخل ويخرج منه أشخاصٌ يرتدون الأسود فقط وقفتُ خارجًا ولم أستطع الدخول فتشتُ عنه بعيناي لكنّي لم أستطع إيجاده يجلس بأي مكان, فقط وجدت والدته تجلس على الأريكة القريبة من الشرفة والذي كان هو المكان المعتاد لجلوسِ أوليفر, كانت تنظر الى الشرفة شاردة الذهن. لم أستطع تصديق أن أوليفر لم يعد موجودًا بعد الآن. سقطت مني كراسة الرسم التي كنت أمسكها بيدي اليمنى وركضت عائدًا الى المنزل ذهبت مباشرة الى غرفتي وأغلقتُ الباب واستلقيتُ على السرير متأملًا سقف الغرفةِ الفارغ أحاول تجميع أفكاري لكن لم أستطع, كان كلُ شيء مشوشًا في تلك اللحظة. حل الليل وطرقت والدتي الباب “روي أنتَ لم تتناول أي شيء منذ الصباح لقد صنعتُ لك بعض الشطائر هيا فالتخرج لتأكلها.”

“لا أشعر بالجوع.”

“حسنًا سأتركهم لك على طاولة الطعام, لا تبقى مغلقًا على نفسك لوقتٍ طويل يا روي أرجوك.”

وبدون أن أدرك كان قد حل منتصفُ الليل كان كل شيء حولي هادئًا يوحي بالخواء, كأن كل شيء لم يعد لهُ روحٌ بعد الآن. شعرت بالعطش وقررت الخروج لشربِ بعض الماء حينها وجدت على طاولة الطعام طبقًا يوجد به بعض الشطائر وبجانبهِ كراسة الرسم التي نسيتُ بأني أسقطتها آنذاك, حينما رأيتها لم أستطع تمالك نفسي وبكيتُ بصوتٍ عالي لأول مرة. أدركتُ أنها الحقيقة, أنه مهما حاولت أن أنكر وفاته فإن ذلك لن يجدي, لأنني لن أرى أوليفر مرةً أخرى, لن أرى ابتسامته مجددًا, وأنني لن أستطيع أن أريهِ تلك الرسمة أبدًا.

(7)

بعد مرورِ أسبوعين أخبرتني والدتي أن والدا أوليفر سينتقلان من منزلهما اليوم وسيذهبانِ الى مدينةٍ أخرى. أخذتُ رسمة أوليفر وذهبت الى والدته “لقد رسمتُ هذه الرسمة عندما كنتُ مريضًا على أملِ أن أعطيها لأوليفر, آسف أنني لم أعطِها لهُ في وقتٍ مبكر. أرجوكِ احتفظي بها.”

أخذتها وتأملتها قليلًا ثم احتضنتني “شكرًا روي” قالتها بصوتٍ حزين.

بعدها لم نرهم مجددًا ولم نعلم أي شيءٍ عنهم, هكذا انتهى خريفُ تلك السنة.

(8)

لقد مرت تسعُ سنواتٍ منذ ذلك الحين لكن مع ذلك لم أستطع نسيان أوليفر, كان كل خريفٍ يمر يحمل معه تلك الذكريات كأوراق شجرِ الخريفِ المتساقطة.

غربتِ الشمس وعدت الى الدراسة متمنيًا أن ذلك الفتى الصغير بمكانٍ أفضل بكثيرٍ من هذا العالم.

تمت.

لقد وجدتك


(١)

كنتُ في طريقي الى المكتبة القريبة من المنزل بعدما استلمت راتبي من عملي الجزئي، كنت أمشي وأنا سعيدة لأنني ذاهبة إلى أكثر مكانٍ محببٍ إلى قلبي وسأشتري بعضًا من الكتب الجديدة اخيرًا. المكتبة القريبة من منزلي هي أكثر مكتبة أرتادُها، لأنها تقع بمكانٍ هادىء ويجب أن أنزل على سلمٍ صغير لأنها تقع أسفل المبنى المستأجر، هي مكتبة صغيرة وهادئة ذو اضاءة مريحة للعين ولا يرتادُها الكثير من الزوار بسبب المكان الذي توجد به ولذلك افضِّلها لأنني اشعر بأنها ملكي حينما أذهبُ الى هناك، وحينما أدخلها وأشتم رائحة الكتب التي تملىء المكان أشعرُ وكأنني في عالمٍ آخر بعيدٌ كل البعد عن الواقع.

(2)
عندما دخلت واخترتُ الكتب التي سأشتريها وجدت اكثر كتاب اود قراءته غالي الثمن، احتضنته وقلت “سأعود من أجلك في المرة القادمة، حتمًا سأفعل” وفكرت أنه ليتني اخترت العمل في مكتبة بدلًا من مقهى لأنه كان سيكون لدي خصم الموظفين على الكتب، أعتقد أنني بالفعل سأبحث عن وظيفة شاغرة بأي مكتبة. بقيت اتجول بين الكتب واستطلع الكتب وكتّابها وعندما انتهيتُ وذهبت لدفع ثمن الكتب التي اخترتها، قام الموظف بإعطائي كيسًا آخر موضوعًا فيه ذلك الكتاب الذي أردته بشدة

“تفضلي، انه لكِ”

“كيف؟ أنا لم أشتريه”

“هنالك شخصٌ قد دفع ثمنه وأخبرني أن أعطيهُ لكِ”

“أنت تمزح صحيح؟”

“لستُ كذلك، انها الحقيقة”

“لا أصدق ذلك”

“حسنًا اذا كنتِ لا تودينه اذًا سأعطيه لشخصٍ آخر”

“لا، لا، لقد صدقتك بالفعل سآخذه” أخذته وخرجتُ من المكتبة وظللتُ أفكر بمن يمكن أن يكون ذلك الشخص حتى عدت الى المنزل.

(3)
عندما فتحت الكيس وأخرجتُ الكتاب لم أصدق عيني أن الكتاب أصبح ملكي، لكن حينما فتحته سقطت ورقة صغيرة منه عندما التقطتها وجدت مكتوبًا عليها “شخصٌ يعملُ بجدٍ وابتسامة ليُسعد الأشخاص من خلال صُنع القهوة لهم يستحقُ أن يمتلك شيئًا يودهُ بشدة، استمتعي.

ملاحظة: شكرًا لأنكِ دائمًا ما تنقذيني بقهوتكِ متقنة الصنع.” حينها شعرت بأنني سأجن بحق الله من يكون هذا الشخص؟، اذًا هو زبون معتاد للمقهى الذي أعمل فيه، لكن كيف علم أنني أردت الكتاب بشدة؟ لا اتذكر أنه كان هنالك شخصٌ آخر في المكتبة عندما كنت اتجول!

(٤)

أتى اليوم التالي وكان الجو غائمًا وذهبتُ الى العمل, لم أستطع النوم بشكلٍ جيدٍ في الليلة الماضية بسبب التفكير في الأمر. كنتُ أحمل معي الورقة وجزمت أمري أنني سأكتشف من هو مهما أخذ مني وقت، لذلك أخبرتُ الفتاةَ التي تعمل معي أن تخبر الزبائن أنه حينما ينتهون من تناول مشروباتهم أن يكتبوا أرائهم بالورق الذي سنقدمه لهم لأننا نود معرفة مدى رضاهم عن الخدمة والمشروبات وأن تعطيني أنا الأوراق. وبالفعل كلما كتب شخصٌ رأيه أعطتني الورقة، وكنتُ أقارن بين الخطوط والخط الموجود على تلك الورقة لكن مهما مر من وقت وأشخاص يكتبون لم أجد خطًا مشابهًا للخط حتى شعرتُ بفقدانِ الأمل.

(5)

حل الليل، وبدأت السماءُ تمطر. كانت تبقت نصفُ ساعة على الإغلاق، غادر جميع الزبائن والموظفون وكانت مناوبتي لإغلاق المقهى في هذا اليوم. لكن بقي هنالك شخصٌ لم يغادر. كان شابًا يجلس في الطاولة القريبة من نافذة المقهى الزجاجية ذو شعرٍ أسود ويرتدي نظاراتٍ دائرية الشكل ويضع سماعاتِ الأُذن، كان يرتدي قميصًا صوفيًا ذو لونٍ أخضرٍ داكن وبنطالًا أسود وحذاءً رياضيًا أبيض اللون. كان أمامه العديدُ من الورق ومن الواضح أنه يدرس. لذلك قررتُ صنع شيءٍ دافىء له على حسابي كتشجيعٍ مني لأنني أعلمُ كم أن الدراسةَ مرهقة.

(6)

حينما اقتربتُ ووضعت الكوبَ على طاولته نظر إلي بعينين متفاجئتين وأصبح متوترًا فجأة وسقطت منه الأوراق على الأرض، نزع السماعاتِ من أُذنيه وانحنى ليلتقط الأوراق انحنيتُ أنا ايضًا لمساعدته في التقاطهم لكنّه قال بتوتر “ل..ل..لا بأس ليس عليكِ فعل ذلك”

“لا بأس فأنا أريد المساعدة” حينما التقطت بعضًا من الورق ورتبتهم وألقيتُ نظرة الى المكتوب وجدت أن المحتوى عن علم النفس فكرت

“اذًا هو يدرس علم النفس، هذا يعيد الذكريات” حينها أحسست أن هنالك شعورٌ غريب وعندما أمعنتُ النظر “انه نفس الخط الموجود على تلك الورقة!!” قلت داخلي “ألِهَذا تفاجأ بشدة عندما رآني”

قررتُ التظاهر بأنني لم أعرف وسلّمتهُ الأوراق

“انت تدرسُ علمَ النفس اذًا؟”

“أ..أجل”

“اذا أردت المساعدة في شيء ما أخبرني، فأنا قد تخرجتُ العام الماضي من نفس القسم”

“حقًا؟؟”

“أجل، يا لها من مصادفة صحيح؟”

أومأ بهدوء

“حسنًا لا أريدُ أن أعطلك عن دراستك، لقد صعنتُ لكَ مشروبًا دافئًا كتشجيعٍ مني أرجو أن تشربه قبل أن يبرد ويمكنكَ أن تأخذ وقتك في الدراسة لن أغلق المقهى سأنتظر الى حينِ انتهائك” قلتها بإبتسامة

حينها رأيته يحمرُ خجلًا ومنزلًا رأسه “ش..شكرًا لكِ”

(7)

يا إلهي لقد شعرتُ بأن قلبي سيتوقف، لقد صُدمت عندما أتت إليَ فجأة. لكنني سعيدٌ أنها تحدثت معي إنها جميلة كالمعتاد ولطيفة أيضًا، أمسكتُ بكوبِ المشروب الدافىء وأنا أبتسم أعتقد أنني محظوظٌ جدًا اليوم كم أود لو أستطيع البقاء هنا لوقتٍ طويل معها، لكن يجب علي الانتهاء من شربه سريعًا والذهاب حتى لا أجعلها تتأخر عن العودة إلى منزلها، تمنيتُ لو أستطيعُ أن أمشي معها الى المنزل لكنَّها فقط ستفكر بإني شخصٌ مخيف وغريبُ أطوار لأنها لا تعلمُ بأنني جارُها.

(8)

ذهبتُ لإحضار حقيبتي وقلبي يخفق أخرجتُ الورقة ونظرتُ إليها “اذًا إنه أنت” وابتسمتُ بتلقائية وبعد مرورِ خمس دقائق عدت ووجدته يجمع أوراقه وأدواته ويضعهم في حقيبته، قلتُ بصوتٍ عالي “هل انتهيت بهذه السرعة؟؟”

أومأ وذهب سريعًا حول الباب لكنّهُ عندما فتح الباب صُدم من غزارة المطر ووقف قليلًا تنهد وخرج.

وجدتهُ وقف تحت مِظلةِ بابِ المقهى، يبدو أنَّهُ يفكر كيف سيمشي في هذا المطر بدون مِظلة. كنتُ ممسكةً بمظلتي السوداء، ركضت سريعًا، أغلقتُ أضواء المقهى والبابَ من الداخل وخرجتُ من بابِ الموظفين، فتحتُ المظلة، أغلقتُ الباب وركضت مسرعة إلى الباب الأمامي حيثُ يقف.

(9)

وصلتُ ووقفتُ أمامه، اقتربتُ منه وأصبحنا كِلانا تحت المِظلة. صوت قطراتِ المطر التي تضرب على قماش المِظلة، أضواء إنارةِ الشارع، هدوءُ اللحظة، ووجهه المحمَّرُ خجلًا والذي جعلني أقع بحبه. أخرجتُ الورقة من جيبي ورفعتُها قُبالة وجهه، رأيتُ نظرتهُ المتفاجئة وقلت بإبتسامة “نعم، لقد وجدتك.”

تمت.

حفنةٌ من التمر

في هذا الفصل أدرس مادة “النقد الأدبي” المادة عبارة عن العديد من القصص القصيرة والروايات ومن المفترض أن علينا قراءتها وتحليلها وإعطاء الرأي على حسب متطلبات الكتابة التي ندرسها لأنني اكتشفتُ أنه في النهاية لا يستطيع أحدٌ الكتابة بدون تلك المتطلبات وإلا لن يُصبح عملًا أدبيًا أبدًا. القصة الأولى التي أخذناها هي قصة “حفنةٌ من التمر” للكاتب السوداني الطيب صالح, القصة تمت ترجمتها من العربية الى الإنجليزية, في الحقيقة وجدت بها بعض التعقيد في الوصف عندما قرأتها باللغة الانجليزية أعتقد أنه من الممكن بسبب أن الوصف في الأساس باللغة العربية وأن المكان في دولة عربية لا أعلم حقيقةً. حسنًا لنعد إلى موضوعنا عن القصة, القصة تتحدث عن فتًا يتحدث عن طفولته وتحديدًا عن موقفٍ معين. بدأ أولًا في وصف القرية التي كان يعيش بها في السودان كانت قرية هادئة مليئة بالأشجار والحقول وأيضًا يمر بها نهر النيل. كان هذا الفتى يحب قريته جدًا وكان يحب الذهاب الى المسجد وحفظ القرآن لأن جده هو من علمه هذا بينما كان جميع الأطفال من حوله يتذمرون حول الذهاب للحفظ وأيضًا يتذمرون حول قريتهم, بينما هو كان يحب جدًا الحفظ والقرية ويقول أن الشيخ الذي كان يعلمه كان دائمًا عندما يأتون زوار الى المسجد كان يجعله يتلو عليهم سورة الرحمن وكانوا يربتون على رأسه ويقومون بشد خده, كان عندما ينتهي درس القرآن كان يعود الى المنزل يرمي لوحه الخشبي ويركض كالجني الى أمه ويبتلع طعامه سريعًا ويذهب راكضًا الى النهر ويغطس فيه وعندما يتعب من السباحة يجلس على ضفة النهر ويتأمل الشاطىء الموجود في الشرق الذي يختبئ وراء غابة كثيفة من شجر الطلح, كان يحب التأمل وتخيل أنه يوجد هنالك قبيلة من العمالقة الذين يملكون أنوفًا حادة مثل جده. كان الفتى يحب جده جدًا وكان جده يصطحبهُ معه في كل مكان لأنه بالنسبة إليه كان حفيده المفضل وعلى قول أقاربه أنه كان الحفيد الوحيد الذكي وباقي الأحفاد كانوا أغبياء لذلك كان يفضله عليهم, ولأن الفتى كان دائمًا يملئ الابريق لجده للوضوء ويحضر سجادة صلاته, وكان الفتى يعلم متى يريد جده منه التحدث ومتى يريد منه السكوت. كان الفتى يطمح أن يصبح مثل جده عندما يكبر كان يريد أن يصبح طويلًا مثله وذو خطواتٍ واسعة وبالنسبة له جدهُ كان مثاليًا جدًا. وهنا تبدأ القصة فعلًا عندما كان جالسًا مع جده سأله الفتى فجأة “جدي, أتخيل أنك لا تحبُ جارنا مسعود؟” أجاب الجد “انه كسول, ولا أحب الناس أمثاله”, سأل الفتى “كيف هو كسول؟” رد الجد “هل ترى كل حقول النخيل, شجر الطلح وشجر السَيال هذه؟ ثلثاها لي أنا, لم تكن ملكًا لي من البداية لقد كانت ملكًا لمسعود قبل أربعين عامًا لقد ورثها عن والده, وأنا لم أكن أملك شيًا عندما بدأت العيش في هذه القرية ولكن انقلب الحال وأظنني قبل أن يتوفاني الله سوف يكون الثلث الباقي ملكي أيضًا.” حينها شعر الفتى بالخوف من كلماتِ جده وشعر بالشفقة اتجاه جارهم مسعود ويتمنى أن لا يفعل جده هذا وعادت ذاكرته الى الوراء حينما كان يرى جارهم سعيدًا ويضحك ويغني بصوتٍ جميل ولاحظ أنه لم يرى جده يضحك من قبل. وسأل جده “لماذا باع مسعود أرضه؟” “النساء.” وصف الفتى أن نبرة جده عندما نطق كلمة النساء جعلته يشعر بأن النساء شيء فظيع. أكمل الجد بأن مسعود كان رجلًا يتزوج كثيرًا جدًا وكان كلما تزوج امرأة باع له فدان أو فدانين وهكذا أصبحت تلك الأراضي ملكه, ومن وصف جده المبالغ فيه ظن الفتى أن مسعود تزوج تسعين امرأة, لكنّه تذكر زوجاته الثلاثه وحمارته العرجاء وسرجه المكسور وحالته البائسة وثوبه ممزق الأكمام. وبينما هم لا يزالون يمشون أتى مسعود حيث جده وقال “سنحصد التمر ألا تريدُ القدوم؟” الفتى أحس من مسعود أنه لا يريد لجده أن يأتي لكن جده هب واقفًا ورأى الفتى عينا جده تلمع ببريقٍ شديد عندما سمع تلك الجملة وشده من يده وذهبوا لحصاد تمر مسعود. عندما ذهبوا الى هناك وجد الفتى الكثير من الأشخاص والأطفال الذين يعرفهم, جلس الجد على كرسي من فرو الثور بينما الحفيد ظل واقفًا وكان يراقب مسعود الذي كان يقف بعيدًا عن النخيل وكأنها ليست ملكه, وكان مسعود يلفت نظره الصوت الذي يسمع عندما يهوي عرجون التمر من علو عندما يقطع, وفي مرة صاح بصبيٍ وهو يقطع العرجون “حاذر لا تقطع قلب النخلة” ولم يولي أحدٌ اهتمامًا لما قال واكمل الصبي يقطع العرجون ويتساقط كأنه شيء يهوي من السماء. فكر الفتى في قول مسعود وتخيل أن للنخلة قلب ينبض وتشعر, وتذكر أنه في مرة عندما رآه يعبث في نخلة صغيرة أخبره أن النخيل مثل البشر يفرح ويتألم. وعندها رأى الأطفال يتجمعون تحت جذوع النخل كالنمل ويأكلون أغلب التمر وفي النهاية عندما أصبح هنالك أكوامٌ من التمر أتى بعض الأشخاص وبدأوا يكيلونه ويضعونه في أكياس حتى أصبحوا ثلاثين كيسًا ذهب الجميع ماعادا جد الفتى الذي كان نائمًا على كرسيه وأربعة أشخاصٍ آخرين, وفجأة استيقظ جد الفتى وهب واقفًا وذهب الجميع لتفقد التمر واقترب مسعود معهم كان يمسك بالتمر يرفعه الى أنفه يشمه ويرجعه مرة أخرى الى الكيس, بينما كان الجميع يتفقد التمر ويأكله وأخذ الجد حفنة من التمر وأعطاها للفتى وقام الفتى بتناولها. وحين تأكد الجميع من التمر أحد الأشخاص أخذ عشرة أكياس والأربعة الآخرين كل واحدٍ أخذ خمسة أكياس, وبينما الجميع يحمل الأكياس على الحمير والجمال وعندما نظر الى مسعود وجد عيناه تذهب يمينًا ويسارًا كأنهما فأران ضائعان عن حجرهما وقال جده لمسعود “لا تزال مدينًا لي بخمسينَ جنيهًا سنتكلم عنهم لاحقًا.” شعر الفتى بالأسى على مسعود وود لو أنه يمد يديه ويمسك بطرف ثوب مسعود, حينها سمع صوت أصدره مسعود يشبه صوت الحمل حين يُذبح وأحس بألمٍ في صدره وركض مبتعدًا وأحس في تلك اللحظة أنه يكره جده, وأسرع في الجري أحس بأنه يحمل في صدره سرًا يود التخلص منه, وعندما وصل الى حافة النهر وبدون أن يعلم ما السبب أدخل اصبعه في حلقه وتقيأ جميع التمر الذي أكله سابقًا.

حسنًا لقد اختصرت القصة اختصارًا شديدًا ومع ذلك تبدو طويلة ياللهول. حسنًا بالطبع لن أفصّل التحليل هنا لأنكم لستم “محسن” -تضحك- لذلك سأكتب الرأيَ فقط. في البداية أحسست أن القصة غريبة ولم أفهم منها شيئًا ولكن عندما عاودت قراءتها مرارًا وتكرارًا فهمت ما أراد الكاتب أن يوصل, انقسم مجموعة من النقاد الى صف الجد ومجموعة الى صف مسعود والطفل, لكنني أرى أن كلاهما مخطئ صحيح أنني تعاطفتُ قليلًا مع مسعود في نهاية القصة حينما كان يشم التمر ولا يستطيع تناوله لكنّه مخطئ جدًا.

لنبدأ بالجد, في البداية من وصف الكاتب أن الجد شخصٌ جاد وأنه شخصٌ يعرف دينه بشكلٍ صحيح وعلم حفيده القرآن وكيف أنه أثر على حفيده بشكلٍ ايجابي في البداية بسبب هذا الشيء, لكن يتضح في النهاية أنهُ شخصٌ لا يعمل بالدين, لقد كان يذم جاره وكيف أنه كان يتكلم بتكبر وتعال عندما قال انه سيمتلك باقي أراضي مسعود قبل أن يموت يعني أنه سعيد بحال مسعود السيء ولا يريد له الخير بل يريد أن يظل يبيع في الأراضي حتى لا يصبح لديه أي شيء. بدلًا من مساعدته أو حتى لو أنه يخبره أن يعمل لديه في المزارع وهكذا يرد ديونه اليه بدلًا من سلب تموره وأيضًا عندما أخبره أنه لا يزال لديه دينٌ بخمسين جنيهًا شعرتُ بأنهُ جشع لقد أخذت الكثير من تموره ألا يمكنك حتى أن تتغاضى عن تلك الخمسين؟ يا له من شخصٍ. وأيضًا عندما وصف النساء بأن النساء هم المشكلة وهم الذين أوصلوا مسعود الى هذا الحال! هذا ليس صحيحًا مسعود هو المخطئ هنا لأن ليس لديه حسٌ بالمسؤولية النساء ليس لهن أي ذنبٍ في هذا بل أشعر بالأسى عليهن في هذه القصة هم المتضررون في النهاية.

ثانيًا مسعود, من القصة يتضح لنا أن مسعود قد ورث المزارع من والده أي أن والده كان لديه الكثير من المال وأعتقد أنه بسبب أن مسعود حصل فجأة على كل هذه المزارع كان يظن أنه مهما باع منها لن يحدث أيُ شيء وسيأخذ المال ويتمتع به وأن المال لن ينتهي, لكن ذلك لم يحدث لو أنه فكر جيدًا وبدلًا من بيع المزارع كان قد عمل فيها ونماها بشكلٍ جيد لم يكن سيحتاج أبدًا لبيع أيٍ منها لكنه كان شخصًا لا يفكر إلا في نفسه, أشعرُ بالأسى على والده الذي ذهب مجهوده هباء هكذا. وثالثًا الفتى الذي كره جده وأشفق على الجار مسعود بما انه صغير فالبطبع سوف يكون في صفِ مسعود بدون أن يفكر أن ما أوصله الى هذا الحال هو أنانيته وعدم تحمله للمسؤولية بشكلٍ جيد. لستُ في صف أي شخصٍ في هذه القصة حقيقةً. في النهاية أشعر أن الكاتب أراد أن يوصل أن لا تصبحوا مثل هاذين الشخصين أبدًا بل كونوا أشخاصًا ذو قلبٍ طيب تعملون بدينكم وفي نفس الوقت لا تكونوا أغبياء حتى لو كان لديكم الكثير من المال في النهاية المال سيزول ولن يبقى لأحد استثمروه في شيء جيد بدلًا من تبذيره في أمورٍ لا فائدةَ منها.

عُطلةُ الشِتاء

(1)

بدأت عطلتي في اليوم السابع والعشرين من شهر ديسمبر الماضي, قضيتُ أول ثلاث أيام من هذه العطلة في النوم لم أكن أنهض إلا للصلاة وأعود للنوم مغلقة على نفسي لقد كنت أعوض النوم الذي لم أستطع نومه خلال أسابيع الإمتحانات المرهقة. في اليوم الثلاثين أخبرت رفيقتا الجامعة أنه راودني حلم بأننا ذهبنا الى الشوي في هذا الجو الرائع وأنني بالفعل أود الذهاب للشواء لذلك كان ردهم “اذًا هيا فالنذهب للشوي” حضرنا جميع المستلزمات وذهبنا الى حديقة تقع على جبل أُحد, وبما أنه في ذلك الوقت كان لا يزال الجميع لديه امتحانات ما عادانا الذين انتهينا بوقتٍ مبكرٍ منها, لذلك كانت الحديقة فارغة جدًا وهادئة وجوها جميل, لم يكن هنالك ازعاج أطفال أو ازعاج ثرثرات الأشخاص أو الشعور الغير مريح بأن هنالك الكثير من الأشخاص حولك وينظرون إليك. لأكون صادقة أنا ورفيقتاي لسنا جيدين في الشوي أو الطبخ عمومًا لذلك رفيقتنا سُلاف أحضرت معها أختها الصغيرة والتي تصغرنا بعامين على ما أظن, ممتنة لها لقد أنقذتنا هذه الفتاة, هي التي أشعلت الفحم, رتبت كل شي, وهي التي كانت مسؤولة عن الشوي وإطعامنا, لقد كنا مجرد طفيليات بالنسبة لها –تضحك- لكن الجميع قد استمتع فعلًا.

لقد كانت السماء مبهرة في ذلك اليوم.

(2)

في اليوم التالي والذي كان يصادف آخر يومٍ في عام 2019 ذهبتُ الى الحرم, كالمعتاد يكون هنالك الكثير من الزائرات الذين يجلسون حول حلقتنا ويستمعون الى قراءتنا, في ذلك الوقت حينما أتى دوري للتسميع معلمتي أعطتني مقطعًا من سورة هود بداية من الآية “وأُوحيَ إلى نوحٍ أنهُ لن يؤمنَ من قومِكَ إلا من قد آمَنَ فَلَا تبتئس بِما كَانوا يفعلون”

بالنسبة إلي أحب آيات قصة نوح عليه السلام في سورة هود لذلك كنتُ أقرأ مسترسلة لا أشعر بالضجيجِ من حولي منسجمة بالآيات, وعندما انتهيت كانت تجلس خلفي زائرة تونسية لطيفة جدًا نادتني وقالت “تعلمين, أحببتُ تلاوتكِ جدًا ماشاء الله, تلاوَتُكِ حنونة, لقد أراحت قلبي.” في ذلك الوقت لم أعلم ما الذي علي قوله كلماتها هي التي كانت حنونة لقد سعدت جدًا لدرجة حينما شكرتها شعرت أن شكري لا يكفي ولن يوصل أبدًا المشاعر التي غمرتني في ذلك الوقت لكنني لم أستطع قول شيء في النهاية غير كلمات الشكر, ممتنة لها. تعلمون إنها ثالث مرة يخبرني شخص أنه أحب أو يحب تلاوتي وهذا من فضل الله, لولا أن الله منَّ علي بهذه النعمة لَمَا ارتاح شخصٌ لسماع تلاوتي فالحمد لله.

حسنًا هكذا انتهى عام 2019 بهذا الموقف بالنسبة إلي ولا أعتقد أنني سأنسى آخر يوم لأنهُ يومٍ مميز بكلماتٍ مميزة.

(3)

عندما بدأ شهر يناير للعام الجديد وبدأت معه عطلة الشتاء للأشخاص الآخرين, أصبح الحرم مكتظًا بالأشخاص من جميع أنحاء المملكة والدول المجاورة لذلك كان يصعب علينا وجود مكانٍ للجلوس وصنع حلقة وكان يصعب علينا وجود مكانٍ للصلاة ويصعب علينا الخروج لقد كنت حينما أذهب أعود بكدمات في قدمي ويداي بسبب التدافع الذي يحدث عند الدخول والخروج, لقد كنا أنا وزميلاتي عندما نستطيع اخيرًا الخروج من الباب الداخلي نصرخ لقد فعلناها لقد استطعنا الخروج والتنفس وتكون عبائتُننا وحجابنا في حالة يرثى لها –تضحك- لذلك إدارة الحرم اخبرتنا أنه لن يُحسب لنا غياب اذا لم نحضر في أسبوعين الاجازة لذلك لم يعد الكثير منا يحضر, أنا أيضًا لم أحضر إلا ثلاث أيام فقط ولم أستطع الحضور مرة أخرى لأنه كان بكل مرة يزداد الزحام شعرتُ بأنه سيتم دفني وأنا حية على هذا المنوال.

(4)

قضيتُ باقي الأسبوع في المنزل تحديدًا في غرفتي مغلقة على نفسي ونائمة أغلب الوقت, حينها والدتي أتت وصرخت علي “أرجوكِ فالتتحركي, اخرجي من غرفتكِ فالتذهبي مع صديقاتك الى أي مكان, افعلي أي شيء ستتعفنين هكذا” –تضحك مرة أخرى-

لذلك في الأسبوع الذي يليه قررت أن أمشي حول حينا لأحرك جسدي وأفعل بعض الرياضة, لكن تعلمون لم أمشي غير يومين وبعدها بدأ الجو يزداد برودة كانت درجة الحرارة تنخفض في كل مرة وأنا من النوع الذي يحب الشتاء لكن لا يحتمل البرد أبدًا مناعتي ضعيفة ودائمًا ما أكون باردة حتى لو كنت أجلس بجانب نار طوال الوقت. لذلك لم أخرج من البيت وظللت تحت بطانياتي أرتدي طبقاتٍ من الملابس. لكن في يوم الخميس من ذلك الأسبوع أتت رفيقتاي وأخبرتاني “هيا لنذهب الى حفل زفاف زميلتنا”, بالطبع أنا لم أرد الذهاب ولا أحب حفلات الزفاف ياللإزعاج وأيضًا الجو بارد هل تمزحون معي؟ لكنّهما ألحا علي سوف نستمتع ارجوكِ هيا وفي نهاية الأمر وافقت, لأكونَ صادقة استمتعت عندما كنا في بيت رفيقتنا نتجهز للحفل, رقصنا, ضحكنا, تناولنا المشروبات الدافئة, والتقطنا الكثير من الصور اللطيفة. لكن عندما ذهبنا الى مقر الحفل المكان كان باردًا جدًا ومزعج ولكن لا أعلم كيف مع هذا الازعاج سقطت نائمة ورفيقتي أرسلت لي مقطع فيديو وأنا نائمة وعيناي نصف مفتوحة والذي يعبر على أنني فعلًا كنتُ متعمقة في النوم, مع أنني في ذلك اليوم قد شربتُ ثلاجة القهوة كاملة لأني كنت أشعر بالبرد لكنّها لم تؤثر! يا الهي حقيقة هذا الشتاء اكتشفتُ أني لا أصلح للخروج من غرفتي لأني سأنام في أي مكان. أيضًا في النهاية مرضت وعدت الى المنزل أرجف وأخذت بعض الدواء ونمت لوقتٍ طويل وبقيتُ في السرير بقية اليوم وأتت رفيقتي لتزورني وتناولنا بعض الفواكه اللذيذة.

(5)

لكن تعلمون بعد هذا اليوم لم أستطع النوم جيدًأ بسبب الجامعة لمدة ثلاثة أيام, لأنه قد بدأ حرب التسجيل ونظام الجامعة السيء ومعرفة اذا كنا قد نجحنا أو لا والموعد المحدد للتسجيل بدون غرامة مالية كان لمدة أربع أيامٍ فقط وتلك كانت اول مرة أن يكون موعدًا ضيقًا كهذا وكان موقع الجامعه معطل, لقد كان الجميع قلق ومتوتر, كان الجميع في المجموعة الدراسية على الواتس يتشاجرون على أتفه الأسباب, مع أنني كنتُ متوترة أيضًا لكنني كنت أضحك على مشاجراتهم. لكن بالنهاية الجامعة مدت لنا التسجيل بدون غرامة لمدة أسبوع آخر وارتاح الجميع وسجلنا وانتهينا من هذا الصداع الحمد لله. أما بالنسبة للدرجات والمعدلات فإنها ستظهر نهاية شهر يناير أو بداية شهر فبراير بسبب أنهم ينتظرون الوفد البريطاني أن يأتي الى الرياض ليوافقوا على الدرجات ومن ثم يضعوها لنا, هكذا كل فصلٍ دراسي. أعتقد أنني سأخرج من هذه الجامعة وأنا لدي القدرة على تحمل الأنظمة السيئة ولدي قدرة عالية من الصبر.

(6)

يوم الأربعاء الماضي ذهبتُ الى صديقة طفولتي, لديهم خيمة لطيفة في منزلهم لذلك جلسنا فيها وأشعلتِ الحطب وشوينا بعضًا من الذرة, البطاطا الحلوة, والكستناء. أيضًا تذوقت الشاي الأحمر بالورد على الفحم لأولِ مرة, في الحقيقة أنا لا أحب شرب الشاي, فقط الشاي بالحليب وأحيانًا أشرب الشاي الأخضر, لكن لا أفضل الشاي الأحمر لذلك دائمًا عندما أذهب إليها تخبرني أنه يجب علي تذوق الشاي الذي تصنعه وأنه سيعجبني لكنني لا أوافق, لكنني وافقت ذلك اليوم لأنه على الحطب ودائمًا هذه الطريقة ما تجعل الأشياء ألذ, حينما شربته أعجبني وخاصة أنه كان هنالك نكهة الورد. عندما أخبرتني ما رأي في الشاي أخبرتها أنهُ لم يعجبني فقط أعاندها –تضحك- لكنّهُ أعجبني جدًا, وكان يومًا لطيفًا للغاية.

(7)

أما بالأمس فذهبتُ مع رفيقتا الجامعة الى مقهى ومخبز تم افتتاحه لفترة تجريبية, المقهى كان هادئًا ونظيفًا ودافئًا, حلوياته أعجبتني فعلًا والقهوة أيضًا, جودته جيدة وأرجو أن لا تتغير لأنه من الصعب في المدينة أن يجد الشخص مقهى بجودة جيدة كهذا وقريب من الأماكن الرئيسية في المدينة وليس بخارجها أو على حدودها. العيبُ الوحيد في ذلك المقهى هو اضاءته لم تكن مريحة للعين. بعدما انتهينا ذهبنا لنتمشى ونستكشف الشوارع ووجدنا متجرًا صغيرًا يبيعُ أشياءً لطيفةً للغاية, يبيع الجوارب اللطيفة التي تكون على شكل أرانب وقطط والعديد من الحيوانات اللطيفة, وأيضًا صناديق الموسيقى اللطيفة, والتحف على شكل بيانو وكمان وغيتار, والكرات الزجاجية الثلجية, والأظرف ذو الألوان والأشكال الرائعة للغاية. اشتريتُ فقط لونًا واحدًا من الأظرف وجوربًا واحدًا على شكل قطة. لقد أردت أن اشتري كل الأشياء اللطيفة هناك لكنني تحملت لأنني أود جمع المال من أجل شيء آخر أكثر أهمية, لكن بالطبع سأكافئُ نفسي بين فترةٍ وفترة بأن أذهب هناك وأشتري شيئًا واحدًا فقط.

(8)

مع أنني لم أخرج من المنزل غير أربع مرات في هاذين الأسبوعين والنصف إلا أنني شعرتُ بأنني خرجتُ كثيرًا وأشعرُ بالتعب وأود لو أنهم يمددون الإجازة لأسبوعين آخرين, أريد شحن طاقتي بالبقاء في السرير والنوم طوال الوقت بأريحية, تعلمون مع أنني أنام كثيرًا هذه الأيام لكن شعرت بأنني أود فعل شيءٍ آخر بجانب النوم لكنّي لم أستطع فقط أجبر نفسي على البقاء مستيقظة لمدة ساعاتٍ قليلة لا أفعل فيها أي شيء, لذلك من المفترض أن يكون هنالك إجازة للنوم في الشتاء واجازة لفعل أشياءٍ أخرى, لأنه بالنسبة لشخصٍ يحب النوم مثلي لم أشعر أني نمتُ بشكلٍ كافي. بالطبع لا أصدق أننا سنعود للدراسة مرة أخرى بعد غد, كيف من المفترضِ لي أن أدرس في هذا البرد ومع هذا النعاس الذي يلازمني طيلة الوقت؟ يبدو أنها ستكونُ أيامًا صعبة. في الحقيقة هنالك شيءٌ ناقص في هذه الاجازة وهو أنني لم أستطع رؤية حصه ):, أرجو أن أستطيع رؤيتها عمّا قريب.

(10)

حسنًا هكذا انتهيتُ من ثرثرتي الطويلة عن عطلتي غير المفيدة والتي قضيتها بالنوم والنوم والنوم ولكنّها مرضية بالنسبة إلي. أرجو أن يكون فصلكم الدراسي هذا جيدًا ومع أننا سوف نُجهَد بشكلٍ غير جيدٍ بسبب قرار التقديم, لكن أرجو أن يمر بسلام علينا جميعًا وتوفيقًا من الله. استمتعوا مع رفقائكم الدراسيين واصنعوا ذكرياتٍ جيدة معهم حتى لو كان المكان من حولكم سيء.

حسنًا, وأنتم كيف كانت عطلتكم الشتوية؟

نافذةُ المشفى

رجلان, كلاهما مريضان بأمراضٍ خطيرة, محجوزان بنفس الغرفة. واحدٌ منهم يُسمح له أن يجلس على سريره ساعة واحدة كل ظهيرة للمساعدة في تصريف السائل من رئتيه. كان سريره بجانب النافذة الوحيدة الموجودة في الغرفة. الرجل الآخر كان يجب عليه أن يبقى طوال الوقت مستلقيًا على ظهره. الرجلان تحدثا لساعاتٍ غير معدودة, تحدثوا عن زوجاتهم, عائلاتهم, منازلهم, وظائفهم, تورطهم في الخدمة العسكرية, وأوقاتهم عندما كانوا في عطلة.

وكل يومٍ في الظهيرة عندما يجلس الرجل على سريره بجانب النافذة, يمضي الوقت وهو يصف لزميله بالغرفة المنظر الذي يراه خارجَ النافذة. الرجل الآخر بدأ العيش فقط من أجل تلك الساعة من كلِ يوم حيثُ يتوسع عالمهُ ويُصبح مفعمًا بالحياة بواسطة النشاطات والألوان الموجودة في العالم الخارجي.

النافذة تُطلُ على حديقة مع بُحيرة لطيفة. البط والبجعات يعومون على الماء, بينما الأطفال يبحرون قواربهم النموذجية. ثنائيات شابة يمشون أذرعتهم ملتفة حول الآخر وسط زهورٍ من كلِ لونٍ من ألوان قوسِ قُزح. الأشجار الضخمة القديمة تزين المكان, ومنظرٌ جيد لأفق المدينة يمكن رؤيته من مسافة بعيدة. كما وصفَ الرجل الذي بجانب النافذة كل هذه التفاصيل بشكلٍ رائع, كان الرجل الآخر الموجود بالجهة الأخرى من الغرفة يُغلق عينيه ويبدأ بتخيل المشهد الخلّاب.

في ظهيرة احدى الأيام الدافئة, وصف الرجل الذي بجوار النافذة موكبًا يمر. على الرغم من أن الرجل الآخر لم يسمع الفرقة. كان فقط يرى ذلك بعين عقله كما يصفُ له الرجل الذي بجوار النافذة الأمر بالكلمات الوصفية. مرّت أيامٌ وأسابيع.

في صباح يومٍ من الأيام, عندما أتت الممرضة وهي تحمل الماء ليأخذوا حمامًا هي فقط وجدت جثة هامدة للرجل الذي بجانبِ النافذة, الذي قد توفي بسلامٍ خلال نومه. كانت حزينة ونادت المساعدين ليأخذوا جثته بعيدًا. بمجرد أن بدا وقتًا مناسبًا, طلب الرجل الآخر اذا كان بإمكانه الانتقال الى السرير الذي بجانب النافذة. الممرضة كانت سعيدة لتغير مكانه, وبمجرد أن أصبح مرتاحًا في سريره الجديد, ببطء, بألم, أسندَ نفسه على كوعٍ واحد ليلقي نظرتهُ الأولى على العالم الخارجي. أخيرًا, هو سيمتع نفسه بالمشاهدة بنفسه. بتوتر وبطء التفت لينظر ماذا بخارج النافذة التي بجانب السرير. كانت تطل على جدارٍ خالٍ من أي شيء. سأل الرجل الممرضة عما كان يُجبر زميله المتوفي بأن يكذب بشأن المناظر خارج هذه النافذة.

“لا يوجد شيءٌ يمكن رؤيته من هنا. أين كل تلك المناظر الرائعة التي كان يراها؟ لقد وصف كل شيء بشكلٍ واضحٍ جدًا. هل من الممكن أن هذا جدارٌ جديد؟ لماذا أعطاني الكثير من التفاصيل الحية والتي لا وجودَ لها؟”

هزت الممرضة رأسها بحزن وأجابت “ربما فقط أراد أن يشجعك وأن يجعلكَ سعيدًا. تعلم, لقد كان زميلكَ في الغرفة أعمى.”

هاتف الريح.

للتو انتهيتُ من مشاهدة الفلم الوثائقي الياباني “هاتف الريح”, في الحقيقة لم أكن أعلم شيئًا عن هذا الهاتف العمومي. منذُ فترة ليست ببعيدة شاهدت اعلان لفلم ياباني انساني جديد سيعرض في بداية عام 2020 لقد أسرني الاعلان, التصوير لذلك الهاتف العمومي والمكان من حوله, شعرتُ بالفضول وقررتُ البحث عن الفلم ما قصته ومن هم طاقم التمثيل عندما بحثت صُدمت عندما رأيت جملة “مقتبس من قصة حقيقية” الهاتف حقيقي والقصة وراءه حقيقية أيضًا ووجدت أن هنالك فلم وثائقي عنه من اخراج قناة ان اتش كي اليابانية, وضعته بالمفضلة وقررت مشاهدته عندما أجد وقتًا لمشاهدته. اليوم قررت أخذ راحة من الدراسة وذهبت لمشاهدته أخيرًا.

هناك رجلٌ ياباني اسمه ساساكي يعيش في جزيرة أوتسوتشي, لم يكن من سكان الجزيرة لكنه عندما زارها مرة وقع بحبها وبمنظر البحر لذلك قرر الانتقال والعيش هناك فوق تلة لطيفة, لديه منزل وحديقة خاصة به. في عام 2010 توفي أحد أقاربه والذي كان قريبًا منه, لقد أراد بشدة التواصل معه لذلك بنى مقصورة هاتف, وضع بداخلها هاتف لا يتصل بأي شيء, كان يرفع سماعة الهاتف ويتحدث مع قريبه بالذي يريد قوله ثم يعيد وضع السماعة ويخرج. كان يقول “خطُ الهاتف لن يوصلَ صوتي, لذلك تركت الرياح تفعل, لذلك أسميته هاتف الريح.” كان الهاتف له فقط لأنه في حديقته الخاصة ولا أحد يستطيع استخدامه غيره, لكن في عام 2011 عندما حدث التسونامي والزلازل التي دمرت معظم جزر اليابان وكانت جزيرة أوتسوتشي من أكثر الجزر التي تضررت بشدة وسجلّت أكثر عدد من الأشخاص المفقودين. منزل ساساكي وهاتفه لم يتضرروا لذلكَ قرر أن يجعل الهاتف عمومي للجميع, عندما رأى الحزن على وجوه أهل القرية الذين فقدوا عائلاتهم شعر بأن تلك الطريقة من الممكن أن تخفف عنهم حزنهم “مهما كان الأمر صعبًا فالأمل يجعل للحياةِ قيمة. أردت أن أقدم شيئًا لأجل الناس ليتواصلوا مع أولئك الذين فقدوهم.”

عندما علموا الأشخاص بشأن الهاتف أصبحوا يذهبون اليه, يتحدثون الى الأشخاص الذي يفتقدونهم, يبكون, يعتذرون, ويخبرون أولئك المفقودين بأنهم مازالوا على أملٍ أنهم على قيدِ الحياة وأنهم ينتظرونهم وسينتظرونهم الى الأبد. “أريدُ أن أسمع صوتك, لكنّي أعلمُ أني لا أستطيع.” “لقد أخبرتهم أن يعودوا للمنزلِ سريعًا وأغلقت. مهما أخذ الأمر من سنوات سأظل أبحثُ عنهم.” ” لقد كانت ’هل أنتَ على قيدِ الحياة؟‘ والرد ب’نعم ما زلتُ حيًا‘ شفرة سرية بيننا, لكن لم أعد أستطيع استخدامها بعد الآن” “آسفة لأني كنتُ أقول أن رائحتك كريهة. لقد وعدتني بأنك ستشتري لي آلة الكمان لكن لا تقلق بعد الآن سأشتريها لنفسي.” “لقد بنيتُ منزلًا جديدًا لكنّه لا شيء بدونكِ أنتِ ووالدتُكِ ووالداي.” “سأجدك سريعًا, لكن أخبرني أين أنت.” “أريد أن أسألك شيئًا. لماذا؟ لماذا أنت؟ لماذا أنا؟ لماذا كان عليك أن تموت؟ لماذا أنتَ بالذات يا أبي؟” تلك كانت بعض المحادثات للأشخاص الذين ظهروا بالفلم كانوا يقولونها والدموع تتساقط من أعينهم, والبعض الآخر لم يكن يتحدث كان يرفع سماعة الهاتف يتنهد, يبكي ويخرج.

الى هذا اليوم مازال البحث عن جثث المفقودين جاري في اليابان في أغلب الجزر. بالنسبة إلي أشعر أن فكرة الهاتف سيئة وجيدة في نفس الوقت سيئة من ناحية أن الجميع يعلم أن الأموات لن يستطيعوا سماعهم أبدًا وأنه لن يكون هنالك أي ردٍ منهم مهما كانت سماعة الهاتف على أُذنِ الشخص وأعتقد أن ذلك يزيد من شعور الحزن, لكنّه جيد باعتقادي بأنهم يستطيعون البكاء بداخل مقصورة الهاتف بينما لا يشاهدهم أحد ويستطيعون اخارج مشاعرهم قبل الخروج من المقصورة.

تصميم مقصورة الهاتف الزجاجي وكيف أنه في مكان لطيفٍ وهادىء جدًا في أعلى التلة جذبني حقًا, أرجو أن أستطيع زيارته في يومٍ من الأيام.

التقبّل بعد الكُره.

هذه الأيام أشعر بشعورٍ سيء يُلازمني طوال الوقت ولا أعلم متى سينفك عني، لذلك اليوم قررت الذهاب الى السوبر ماركت وشراء رقائق البطاطا المفضلة لدي “pringles” بينما كنتُ واقفة اتأمل رف البطاطا بكل جدية وأفكر بما الذي علي اختياره،هل أجرب نكهة جديدة؟ أم أحضر فقط نكهتي المفضلة وهي الكاتشب لكن انتهى بي المطاف بأخذ الإثنين، حينما نظرت لعلبة الكاتشب ابتسمت تذكرت كيف أنها كانت نكهتي المفضلة في طفولتي لكن أتى وقت كنت لا اطيق رؤية منتجات هذه الشركة أوحتى أن أجلس مع أشخاص يأكلون هذه الرقائق وكيف اني عندما اصبحت في السادسة عشر عدت لتقبلها من جديد. لااذكر تمامًا كم كنت أبلغ من العمر حينما قررت عائلتي السفر عن طريق البحر كتغيير وكانت تلك اسوء فكرة واسوء رحلتين ذهابًا وعودة على الإطلاق.

كانتا رحلتين مليئتان بالإرهاق، البكاء، الأرق، الحمى، ودوار البحر المميت. 

في الحقيقة لم اكره الرقائق في رحلة الذهاب ولكن في رحلة العودة اتذكر تفاصيل تلك الأيام بكل مافيها لأنها كانت سيئة جدًاكان يجب علينا البقاء ثلاثة أيامٍ في البحر وكانت الوجبة الوحيدة التي كنا نأكلها طوال هذه الأيام هي فقط “رقائق pringles” مع بعض الخبز لأن ثمن طعام السفينة كان باهظًا جدًا، ومن فرط تناولنا اياه ومع دوار البحر كنا نتقيأ كثيرًا لدرجة شعورنا بأننا سنموت، بالطبع حدثت الكثير من الأشياء المروعة لكن بعد تلك الرحلة انا وعائلتي لم نعد نطيق لا السفن ولا تلك الرقائقِ فعلًا وأنا كنت أكثر من لا استطيع تحمل رؤيتها كنتُ عندما ارآها أصاب بالدوار والغثيان وأذهب الى دورة المياه فورًا. في الحقيقة لا أعلم كيف تخطينا الأمر أنا وعائلتي وعدنا لتقبله من جديد، عندما اشتريناه لأول مرة بعد تلك الفترة الطويلة كنّا نشعر بأن هنالك شيءٌ غريب، لا أعلم ان كان سبب عودتنا لتقبله هو أن صدمات ذلك اليوم قد خفت أو أن لزيادة العمر تأثيرٌ في ذلك.

أعظمُ كاذبٍ في التاريخ

للكاتب ايتجر كيريت

انظر اليه يقف في وسط الطريق تحت المطر الغزير, يخبر الجميع بأنه ليس باردًا. انها بالفعل  أعلى درجات التجمد لكنّه لا يعطس حتى. قطرات المطر تُغرق جبينه مثل حبات العرق, وفمه –بكل جدية, يجب عليك رؤيته لتصدق: فمه ظاهرة كونية حقيقية, ثقبٌ أسود يمتص ما في الواقع ويبصقه خارجًا في نهاية الناحية الأخرى كشيء مختلفٍ تمامًا. والآن هو يتحدث بثقة عن المستقبل الرائع الذي ينتظر أطفالنا, وفي أي لحظة سوف يشرح لأي شخص يرغب في الاستماع عن كيف أن هنالك إله وأن ذلك الإله يعتقد أننا على خيرِ ما يُرام. ثم سيجلس في المقهى الصغير, يشرب كأسًا من الشاي الأحمر الساخن مع الليمون ويقسِمُ على أنه قهوة.

لم يكن هكذا دائمًا. عندما كان صغيرًا لم ينطق بأي كذبة مطلقًا, في مرةٍ عندما تحطمت نافذة الصف رفع يده واعترف بأنه الذي ألقى الحجارة. ولكن كل ما حصل عليه بسبب صدقه في ذلك الوقت كان أنه تم وضعه في مركز الأحداث بتهمة التخريب المتعمد للممتلكات, وفي مرحلة ما من ذلك الطريق الطويل والمتعب, وصل الى مفترق الطرق, اتخذ منعطفًا منحدرًا, ولم ينظر للوراءِ مجددًا أبدًا.

في البداية كان يكذب فقط على الغرباء, ثم على الأشخاص الذين يحبهم حقًا, وأخيرًا على نفسه. الكذب على نفسك هو الأفضل. لا يستغرق الأمر سوى دقيقة واحدة لتخطو في بركة قاتمة قذرة والذي سيجعل من حقيقة جواربك الرطبة تتحول الى شيءٍ دافئ ومخملي. سطرٌ واحدٌ فقط – ويتحول الفشل الى رضوخٍ طوعي, وحدٌة داخل الاختيار, حتى الموت الذي يستمر بالاقتراب منك من الممكن تغييره الى تذكرة ذهاب الى الجنة بلا عودة.

انه ليس ساذجًا. انه على علم بأنه ليس الجميعُ يُقدّره. سيكون هنالك دائمًا متطرفون يصرون على الإشادة بأن الحقيقة الغير متخيلة هي كالأعجوبة المثيرة وليس مجرد اهمالٍ مُحرج. هل سبق لك أن رأيت كومة قمامة تكذب؟ أو ضفدع؟ أو حشرة؟ فقط الرجل, قمة الخلق, الذي لديه القدرة على تغيير عالمه بواسطة جملة. جملة تصنع الحقيقة. حسنًا, ربما ليست الحقيقة, ولكن شيءٌ ما. شيءٌ اذا ما أمسكناه بقوة كافية فسنتمكن من البقاء على قيدِ الحياة, واقفين على أقدامنا.

والآن دعونا نراه في عمله. الى يمينه – زوجة وطفلان يحبهم بشدة. والى يساره – نادلة شابة نحيفة تريد الحصول على شهادتها في دراسة العلاقات الدولية. وها هو, يُقَبّلُ النادلة ويخبر نفسه أنه لا يوجد أي خطأ في ذلك. ثم يذهب لاصطحاب التوأمين من الحضانة ويخبرهم كيف أنه وأمهم جلبوهم الى هذا العالم. وفي دقيقة سيكون وقت شربِ السجائر بعد المعاشرة وسيخبر النادلة النحيفة ونفسه كيف أنه لم يجرب مثل هذا الحب العظيم. الحب الذي يشبه قوة الطبيعة, الإعصار, من النوع الذي سيضربك بطريقة أو بأخرى, لذلك لا فائدة من المقاومة.

شهرين من الآن, منفصل ومتعب في شقة مستأجرة في بيتاش تيكفا, ينتظر بفارغ الصبر كل عطلة نهاية أسبوع ليتمكن من النوم في السرير بجوار التوأم ويحلم بأحلامٍ مليئة بالشعور بالذنب – سيواصل الإصرار على أن كل هذا قد حدث بسببِ تواصله مع نفسه. لأنه اختار أن يعيش الحياة على أكمل وجه, وليس مجرد مشاهدتها من على الجانب كما لو كان فلمًا أجنبيًا آخر جرته اليه النادلة الرفيعة لرؤيته في السينما.

في سبتمبر, سيمثلنا في بطولة العالم للكذب, والمعلقون متفائلون بأنه سيحمل ميدالية لمنزله. يقولون انه جيدٌ جدًا, حتى لو حدث المستحيل وفشل, ليس هنالك شك في أنه سيكون قادرًا على اقناع نفسه بأنه فاز. لأنه هذا هو: بطلٌ من هذا النوع. يُبقي عينيه على الجائزة. لا يخف أبدًا من قوله للحقيقة عند رؤيته لعينٍ سوداء ويقسم على أنها وردية. الرجل الذي لم يندم أبدًا على شيء, وحتى لو فعل فإنه لن يعترف بذلك أبدًا.

كوبُ شايٍ دافىء

(١)

عندما تطلق والداي كنت في السابعة من عمري. عشت مع والدتي في شقةٍ صغيرة تكفي لكلتينا. غرفتين متوسطا الحجم، مطبخٌ صغير، ودورة مياه واحدة. 

كان والدي يرسل نفقاتي شهريًا ويأخذني لمنزله مرتين كل شهر. دائمًا عندما كنتُ أعودُ في اليوم التالي أجد والدتي تجلس وحيدة في غرفتها تبكي في صمت. بجسدي وعمري الصغيرين حاولت التفكير مرارًا بما الذي علي فعلهُ لمواساتها، لم أستطع الخروج بأي شيء مفيد لكنني فكرت أن كوبًا من الشاي الدافىء من الممكنِ أن يجعلها أفضل. لذلك كنتُ حين عودتي أصنع لها كوبًا من الشاي الأحمر وأضع عليه بعضًا من الورد المجفف، أذهب إلى غرفتها، أقبل رأسها وأقول “صنعتُ لكِ بعض الشاي يا أمي” أضعه بجانبها وأجلس أنا على الجانب الآخر في صمت. 

(٢)

عندما أصبحت في المرحلة المتوسطة لم يعد والدي يأتي ليأخذني أو حتى يأتي لرؤيتي كان فقط يتواصل معي بين الحين والآخر وأصبح يرسل نفقاتي بمقدارٍ أقل، لذلك اضطرت والدتي إلى العمل بمحل خياطة قريب، كانت تعود من العمل منهكة ويعلو وجهها نظرة حزينة، لم أكن اسألها ما الأمر لأنني أعلم أنها تواجه وقتًا صعبًا لذلك فقط كنتُ أصنع الشاي الأحمر بالورد وأجلس بجانبها بهدوء كالمعتاد. 

(٣)

عندما انتهيت من دراستي الثانوية قطع والدي التواصل معي ولم يعد يُرسل أي نفقات. أخبرتُ والدتي أنني لن أذهب إلى الجامعة وسأبحث عن عملٍ جزئي لمساعدتها في النفقات لكنّها رفضت بشدة عدم ذهابي إلى الجامعة قالت حينها “إذا لم تكملي دراستك سأطردكِ من المنزل” كنتُ أعلم أنها لا تستطيع فعل ذلك لكنّها كانت تود أن تُظهر أنها مخيفة وجادة، لكنني لم أرها هكذا ولو لمرة واحدة، ابتسمت بخفية قبل أن أمثل الحزن وأقول “حسنًا سأكمل الدراسة، لكن أرجوكِ لا تطردينني من المنزل، تعلمين أني لا أستطيع العيش بدونك”

وحينها رأيت ابتسامة الرضى تعلو وجهها لأول مرة.

(٤)

خلال سنواتي الدراسية في الجامعة عملت بدوامٍ جزئي في مكتبة كأمينة صندوق، كانت المكتبة هي أكثر الأماكن التي تليق لي بهدوئها ورائحة كتبها. كنتُ خلال وقت استراحتي أتناول غداءً خفيفًا وأقرأ كتابًا. حينها كانت تأتي مديرة المكتبة تجلس أمامي على الطاولة وتتحدث معي بابتسامة لا تفارق محياها، مع أنني كنتُ هادئة ولا أتحدث كثيرًا إلا أنها كانت تأتي يوميًا للتحدث معي. أخبرتني أنها في البداية كانت تعمل بدوامٍ جزئي في هذه المكتبة ولأنها أحبتها جدًا بذلت جهدها لتصل الى ما هي عليه الآن، كانت تخبرني بأنها أصبحت تشعر أن المكتبة هي منزلها ولم تستطع الخروج منها.

يومًا بعد يوم أصبحنا صديقتين وتبادلنا أرقام الهواتف وأصبحنا نتقابل خارجًا بين الفنية والأخرى، وتلك كانت أول مرة بالنسبة لي.

(٥)

عندما كنت بالمرحلتين المتوسطة والثانوية لم أمتلك أي صديقات، في البداية كانوا يأتون للتحدث معي وكنتُ أبادلهم الحديث لكنّهم كانوا دائمًا ما يقررون أنهم سيتقابلون خارجًا للتسوق أو لتناول الطعام بمطاعم باهظة الثمن أو يذهبون للعب، لكنّي كنتُ أرفض الذهاب معهم في كل مرة، كان البعض منهم يقول أني بخيلة والآخر يقول أنني متكبرة ولا أود مرافقتهم، وفي نهاية المطاف يبتعدون عني. في الحقيقة لم أكن بخيلة أو لم أرد مرافقتهم كنت أود بشدة الذهاب معهم لكنني كنتُ أفضل ادخار مصروفي من أجل مساعدة والدتي أو لشراء وجبة لذيذة لها في نهاية الشهر أو لاستعارة كتابٍ من المكتبة العامة. لم يكن هنالك أحد يفهمني حينها لذلك لم يكن لدي أصدقاء، مديرة المكتبة كانت أول صديقة لي.

(٦)

عندما انتهيتُ من دراستي الجامعية تركت المكتبة وبدأت العمل في مجال صنع الإعلانات، لكن بقيت اتواصل مع صديقتي لكننا لم نكن نتقابل كثيرًا بسبب انشغالي بالعمل. مرت فترة لم نتحدث معًا لذلك قررت مفاجئتها والذهاب الى المكتبة، في صباح ذلك اليوم اشتريت بعض الزهور والقهوة متوجهة إلى المكتبة، حينما دخلت ذهبت مباشرة إلى مكتبها لكنني لم أجدها بل وجدت شخصًا آخر يجلس على المكتب حينها سألته “معذرةً لكن أين هي الآنسة ***؟” 

أجاب حينها “لقد استقالت منذ فترة ولم تخبرنا إلى أين ستذهب”

صُدمت لمعرفة ذلك كيف أنها لم تخبرني، اتصلت عليها مرارًا لكنّ رقمها كان خارج الخدمة، خرجتُ من باب المكتبة خائبةَ الأمل وأشعرُ بشعورٍ ثقيل، انتبهت الى الزهور والقهوة التي في يدي بقيت صامتة لوهلة اتأملهم ثم ألقيتهم في القمامة وغادرت. 

(٧)

عندما عدت الى المنزلِ دخلت الى غرفتي واستلقيتُ على السرير اتأمل السقف وأتنهد، لم أستطع البكاء حتى لو أردت ذلك، لم أبكي عندما تطلق والداي، أو عندما لم يكن لدي أصدقاء، أو عندما قطع والدي التواصل والنفقات، أو حتى عندما واجهتنا امورٌ صعبة، كنت أبقى صامتةً فقط ولا أعلم لماذا. حينها دخلت والدتي غرفتي بهدوء ممسكة بصينية صغيرة عليها كأس شاي أحمر بالورد المجفف، وضعته على الطاولة الصغيرة بجانب سريري وابتسمت، عندما رأيت الكأس، دموعي انهمرت فجأة، وضعت كفاي على وجهي واستمرت دموعي بالإنهمار إلى أن بَردَ الشاي.

(٨)

أنا الآن في الثانية والثلاثون، والدتي هي صديقتي الوحيدة والمفضلة، وكأس الشاي الأحمر بالورد المجفف هو سر المواساةِ بيننا.

تمت.

مفترق الطرق.

بعد الانتهاء من يوم عملٍ طويل آخر ذهبت إلى مطعم صديق طفولتي كونر كالعادة، دخلت وجلست على واحد من الكراسي الموضوعة أمام المنضدة المقابلة لمطبخ المطعم

“مرحبًا لورين” قالها بصوته الهادىء وابتسامته اللطيفة.

أردف “كيف كان يومك؟”

“مرهقٌ كالمعتاد، لكن مع ذلك مستمتعة بالعمل” ابتسمت.

“سعيدٌ لسماع ذلك”

“اذًا، اذًا ما الذي ستجعلني أتذوقه اليوم؟” قلتها والحماس يقتلني لتذوق ما صنعه من الحلوى اليوم

“اليوم صنعت كعكة الليمون بالتوت البري بما أننا نمر بصيفٍ شديد الحرارة”

“حقًا؟ إني أحب الليمون بشدة، لا أستطيع الانتظار فالتحضر لي قطعة كبيرة سريعًا، ولا تنسى القهوة معها”

“لقد فهمت سيدتي، سأقوم بتحضير طلبكِ سريعًا” كان يقف باستقامة وقالها بطريقة الخدم الذين في الأفلام

نظرنا لِبعضنا البعض قليلًا ثم انفجرنا من الضحك

“أيها السخيف فالتذهب سريعًا فقط”

كونر صديق طفولتي والده يملك هذا المطعم لقد كان يحلم دومًا بأن يكون صانع حلويات لذلك يتدرب حاليًا بمطعم والده على أن والده لا يسمح له بصنع إلا صنف واحد من الحلويات في اليوم الواحد إلا إنه لم يستسلم، لذلك كل يوم آتي لتذوق ما يصنعه ولأشجعه.

“تفضلي” وضع أمامي طبقًا أبيض اللون موجود عليه قطعة من كعك الليمون بالتوت البري وشوكة صغيرة، رائحة الكعك كانت زكية للغاية. تناولت أول قطعة وأردت البكاء لأن طعمها كان لذيذ ومنعشٌ جدًا

“كالعادة، حلواك التي تصنعها دائمًا ما تجعلني أنسى ارهاقي من العمل، شكرًا لأنك تعطيني الفرصة لتناول حلواك الرائعة. بالتأكيد سأكون زبونتك الدائمة في محلك مستقبلًا” ابتسمت

“بل أنا من يجب أن أشكرك لورين لأنكِ دائمًا ما تتناولين ما أخبزه بوجهٍ سعيد ودائمًا ما تشجعيني، حقًا شكرًا لك.”

احمررت خجلًا وأكملت تناول الكعك بهدوء وهو ذهب لخدمة الزبائن.

وبينما كنت أتناول الكعك لاحظت وجود ثلاثة فتيان يجلسون على الكراسي التي على يميني كان يفصل بيننا كرسي واحد فقط، سمعتهم يقولون أنهم لا يعلمون ما الذي سيفعلونه بعد التخرج من المرحلة الثانوية ليس لديهم أحلام وكم هم خائفين من المستقبل وأنه من الممكن أنهم لن يجدوا طريقًا يسعدهم وسينتهي الأمر بمعاناتهم.

كانت أوجُهُهم حزينة ويتنهدون بكثرة.

التفت إليهم “مرحبًا أيها الفتيان، لم أتعمد الإستماع إلى محادثتكم لكن هل أستطيع قول شيء لكم؟”

نظروا إلى بعض بحيرة ثم أومأوا في النهاية

 “حسنًا تعلمون الحياة بشكلٍ عام تحتوي على العديد من الطرق 

عندما نسير في طريقٍ معين لكن ينتهي ذلك الطريق بأكثر من مفترق؟

بطريقين أو أكثر ويجب علينا الاختيار لاكمال السير فيه سنحتار كثيرًا أي الطرق يجب أن أسلك تاليًا؟ ذلك سيأخذ الكثير من الطاقة، التفكير، والأرق.

ستفكر اذا اخترت ذلك الطريق كيف سأكمله؟ وكيف ستكون النهاية؟ لكن في الحقيقة لا يجب على أي أحدٍ أن يفكر هكذا، عندما يختار الشخص طريق معين عليه أن يفكر كيف سيمهد ذلك الطريق لنفسه، وليجعله طريقًا مريحًا سيمر بالكثير من العقبات، التنهيدات الثقيلة، والتفكير بعدم إكمال ذلك الطريق، لكن لا يجب على أحدٍ أن يستسلم عند هذا الحد. حينما يصل الشخص الى تلك المرحلة بدلًا عن الإستسلام يجب أن يأخذ فترة راحة أن يجلس ويتنفس بهدوء وأن لا يدع التفكير السلبي يأكل دماغه، لأنه بعد الراحة سيتوجب عليه الوقوف من جديد والعودة الى العمل على تمهيد طريقه. 

لكن بعض الأشخاص سيواجهون طريقًا مغلقًا في المنتصف، في البداية سيكون من الصعب عليهم أن يتقبلوا الأمر، سينظرون إلى الآخرين الذين يستمرون بالمشي في طريقهم بدون عقبات سيفكرون لماذا أنا فقط؟ الجميع يستطيع فعل ما يريده لكنّي لا أستطيع. لكن ذلك ليس بصحيح صدقوني الأشخاص الذين يواجهون عقباتٍ كثيرة في طرقهم هم الذين سيكونون أعظم من الذين كانت طرقهم لا يوجد بها عقبات أو عقباتٍ بسيطة لأنه سيعلم كيف يستطيع التعامل مع العقبات لاحقًا. لذلك على أي شخص واجه طريقًا مغلقًا أن يفكر باختراقه أو صنع طريقٍ جديد، لا بأس بذلك سيكون مجهدًا، صعبًا، لكن اذا قاوم الشخص وأعطى نفسه دافعًا جيدًا لإكمال الطريق الجديد سيكون سعيدًا بالمشي فيه. طرق الحياة ليس لها نهاية إلا الموت، لذلك ما دام الشخص على قيد الحياة ليس هنالك طريق لا يستطيع المشي فيه.

لن أخبركم أن تبذلوا جهدكم أو شيئًا من هذا القبيل لكن إن أردتم تعلم شيء جديد تعلموا، اذا أردتم استكشاف أماكن جديدة استكشفوها، إن أردتم أن تصرخوا عليكم أن تصرخوا، تستطيعون فعل كل شيء ما دمتم على قيد الحياة، لا تقيدوا أنفسكم بقيود معينة، لا تجعلوا كل وقتكم للدراسة والتفكير بما الذي سأفعله مستقبلًا؟ اجعلوا هنالك وقتًا  للحاضر والاستمتاع به.

يبدو أنكم تقولون عني عجوزٌ ثرثارة لذلك سأتوقف هنا، كونر كم ثمن وجباتهم؟” 

أعطاني الفاتورة 

“سأدفع لكم ثمن وجباتكم هدية مني لتخرجكم القريب، مباركٌ لكم مقدمًا وبالتوفيق لكم في طرقكم التي ستختارونها.”

 أعطيت كونر المال وابتسمت لهم ودعت كونر وخرجت من المطعم.

تمت.