
(1)
انتهى الصف الأخير لهذا اليوم, خرج الجميع من قاعة الصف وظللت أنا لأراجع بعض الدروس, حينها نظرتُ الى النافذة الزجاجية التي بجانبي, كانت تطل على الحرم الجامعي, كان هنالك أشخاص يسيرون وآخرين يجلسون على الكراسي الموضوعةِ تحت الشجر.
كان الغروب قد حل, الشفق الأحمر يغطي السماء وأوراق الخريف تتساقط بسبب الرياح. في كل مرةِ يحل فيها الخريف أتذكرُ صديقي الذي توفي في هذا الفصلِ.
(2)
لقد كنتُ في السنة الخامسة من المرحلة الابتدائية حينها, كنت طفلًا هادئًا لا يحب الإختلاط كثيرًا بالأشخاص, كنت أحب الجلوس في المنزل وممارسة هوايتي المفضلة وهي الرسم. في يومٍ من الأيام أتت والدتي وأخبرتني أن آتي معها الى حفلة ميلاد ابنُ جارتِنَا التي تسكنُ في الشقة التي أمامنا. أخبرتني أنني سأجد الكثير من الأطفال الذين هم في نفس عُمُري, كنت سأرفض القدوم حتى أخبرتني أنه سيكون هنالك الكثير من المثلجات والحلوى, لذلك قررت الذهاب. أخذتُ معي كراسة رسمي وألواني وذهبنا. عندما دخلنا الى منزلهم وجدت الكثير من الأطفال الذين يركضون ويلعبون والأمهات يتبادلون الأحاديث ويضحكون, كان يبدو الجميع مبتهجًا إلا فتًا يجلس بعيدًا عن الكل على كرسيٍ متحرك قريبًا من الشرفة, كان يتأمل الجميع بابتسامة. حينها قالت والدته وهي توزع أطباق الكعك على الأطفال “تعلمون, هذه الكعكة من اختيار أوليفر. لقد أراد أن يستمتع الجميع بتناولها لذلك ما رأيكم باللعب معه بعد أن تنتهوا من تناول الكعك؟”
نظر الأطفال له بنظراتٍ غريبة ثم أعادوا النظر لبعضهم البعض “ح..حسنًا س…سنفعل” وبدأوا يتناولون الكعك لكن ببطءٍ شديد, شعرتُ بأنهم يفعلون ذلك عمدًا كي لا يلعبون معه. عندما نظرتُ الى الفتى وجدت الدموع تتساقط من عينه, وبابتسامةٍ حزينة توجهت والدته نحوه ربتت على رأسه ثم أمسكت بيده “لا حاجة للبكاء أنا سألعب معك.” قالت
“روي لماذا لا تذهب وتتحدث معه؟” أخبرتني أمي بابتسامة
لكي أكون صادقًا لقد كنتُ خائفًا قليلًا لأنه لم يسبق لي أن رأيتُ طفلًا على كرسيٍ متحرك, الفتى أيضًا لم يكن يتحدث لذلك ظننتُ أنني لن أستطيع التعامل معه. لكن والدتي شجعتني لذلك قررت الذهاب, أخبرتها أنني سآخذ قطعة من الكعك له أيضًا لكنّها أخبرتني أنه لا يستطيع تناول هذه الأشياء وأن لهُ طعامًا مخصصًا لهُ فقط. فكرتُ كم أن هذا محزن.
(3)
اقتربتُ منه رويدًا رويدا ورأيتُ ابتسامة على وجهه, مددت يدي لأصافحه لكنّهُ لم يمد يده وظل مبتسمًا فقط. ظننتُ أنه لا يريد مصافحتي لكن اتضح لي أنه لا يستطيع تحريكَ يديهِ ورأسه مثلما قدميه, لذلك أمسكتُ بيده كمصافحة وابتسمت. كان ملمس جلده طريٌ ورقيق أي أنه لو تعرض لأي إصابة فأعتقدُ أنها ستكون مشكلة كبيرة.
(4)
جلستُ أمامه وقلت “تعلم هوايتي المفضلة هي الرسم, هل أريكَ بعضًا من رسوماتي؟”
ابتسم لذلك فهمتُ أنها موافقة. فتحتُ له الكراسة وبدأت أريه الرسومات وأشرح لهُ كل رسمة وما الذي كنتُ أفكر بهِ وأنا أرسم. وكان يصدر صوتًا يشبه صوت الأطفال الرضع وكأنهم يحاولون التحدث, فهمت هكذا أنه يتحدث. انتهى اليوم وعندما كنا على وشك الخروجِ من الباب كان يصدر ذلك الصوت ولكن بصوتٍ عالي قالت والدته “إنها أول مرة أراه سعيدًا هكذا, شكرًا روي.” كانت تربتُ على رأسي وعلى وجهها ابتسامة حقيقية غير التي كانت تبتسمها من قبل والتي كان يتضح من خلالها أنها حزينة.
“فلتأتي للعب مرة أخرى” قالت وهي تلوح لنا.
لا أعلم لماذا لكنني شعرت بشعورٍ جيد ذلك اليوم وأيضًا لأنني استطعت التحدث مع شخصٍ آخر عن هوايتي غير والدتي, كنت سعيدًا. أصبحتُ أذهب إليه كل يومٍ بعدما أنتهي من فروضي المدرسية. كنت أحب التحدث إليه وأن أريهِ رسوماتي الجديدة. وكانت تغمرني السعادة عندما يصدر ذلك الصوت الذي كان يدل على أنه مستمتع وسعيد.
(5)
كان منتصفُ الخريف عندما أصبتُ بالحمى لدرجة بقيتُ مستلقيًا في السرير لمدة يومين. في اليوم الثالث من مرضي كنتُ مغمضًا عيناي من إرهاق الحمى, حينها سمعتُ صوت عجلات تُجر لداخل غرفتي, حينها فتحت عينايَ سريعًا “أوه انه أوليفر” قلت بداخلي
كنتُ سعيدًا جدًا لرؤيته, اقترب مني هو ووالدته “أرجو أن تتعافى سريعًا.” قالت والدته
“كان أوليفر قلقًا عليك لذلك قررنا زيارتك اليوم.” ثم مدت إلي كراسة رسم “إنها هدية من أوليفر.” ابتسم وأصدر ذلك الصوت. حينها ابتسمت وأمسكتُ يده “شكرًا لك” قلتها بصوتٍ مرهق, أصدر ذلك الصوت مرة أخرى وكأنه يقول “فلتتحسن سريعًا”
أومأتُ له وشعرت بالدوار حينها وأغمضت عيناي وغطيتُ في النوم بدون أن أشعر.
في اليوم التالي شعرت بالتحسن لكن والدتي أصرّت على أن أبقى في السرير الى أن أتعافى تمامًا. لذلك قررت أن أرسم, أمسكتُ كراسة الرسم الجديدة والألوان وقررتُ رسم أوليفر. رسمته وهو يجلس وحوله الكثير من الأشجار وزهور القرنفل وينظرُ الى غروبُ الشمس. عندما انتهيتُ تمنيتُ أن أتعافى سريعًا لكي أذهب إليه وأريه الرسمة.
(6)
بعد مرور أسبوع عدت إلى روتيني المعتاد أخيرًا.
عدت الى المنزل راكضًا ذلك اليوم, رميتُ حقيبتي على الأرض وركضتُ لغرفتي لأحضر الكراسة وأذهب الى أوليفر. أحضرتها ووقفت عند الباب أستعد للخروج صرخت بصوتٍ عالي “أمي سوف أذهب لزيارة أوليفر حسنًا؟”
حينها أتت والدتي وبصوت شخصٍ يحاول ألا يبكي قالت “انتظر, روي”
لاحظتُ أنها كانت ترتدي ملابس سوداء اللون وتحاول أن تقول شيئًا ما لكنّها بدأت بالبكاء فجأة. “أمي, ماذا حدث؟ لماذا تبكين؟” سألت
بعدما هدأت قليلًا قالت “روي…لقد توفيَّ أوليفر في الليلة الماضية بسبب تآكُلِ رِئتيه, والآن يقام العزاء في منزلهم.”
“ماذا؟ ما الذي تقولينهُ فجأة؟ لا أصدقكِ, عندما سأفتحُ الباب الآن وأذهب سأجده ينتظرني كالمعتاد بابتسامته.”
فتحت الباب وخرجتُ متجهًا الى باب منزلهم متجاهلًا نداء والدتي لي. عندما وجدت باب منزلهم مفتوحًا ويدخل ويخرج منه أشخاصٌ يرتدون الأسود فقط وقفتُ خارجًا ولم أستطع الدخول فتشتُ عنه بعيناي لكنّي لم أستطع إيجاده يجلس بأي مكان, فقط وجدت والدته تجلس على الأريكة القريبة من الشرفة والذي كان هو المكان المعتاد لجلوسِ أوليفر, كانت تنظر الى الشرفة شاردة الذهن. لم أستطع تصديق أن أوليفر لم يعد موجودًا بعد الآن. سقطت مني كراسة الرسم التي كنت أمسكها بيدي اليمنى وركضت عائدًا الى المنزل ذهبت مباشرة الى غرفتي وأغلقتُ الباب واستلقيتُ على السرير متأملًا سقف الغرفةِ الفارغ أحاول تجميع أفكاري لكن لم أستطع, كان كلُ شيء مشوشًا في تلك اللحظة. حل الليل وطرقت والدتي الباب “روي أنتَ لم تتناول أي شيء منذ الصباح لقد صنعتُ لك بعض الشطائر هيا فالتخرج لتأكلها.”
“لا أشعر بالجوع.”
“حسنًا سأتركهم لك على طاولة الطعام, لا تبقى مغلقًا على نفسك لوقتٍ طويل يا روي أرجوك.”
وبدون أن أدرك كان قد حل منتصفُ الليل كان كل شيء حولي هادئًا يوحي بالخواء, كأن كل شيء لم يعد لهُ روحٌ بعد الآن. شعرت بالعطش وقررت الخروج لشربِ بعض الماء حينها وجدت على طاولة الطعام طبقًا يوجد به بعض الشطائر وبجانبهِ كراسة الرسم التي نسيتُ بأني أسقطتها آنذاك, حينما رأيتها لم أستطع تمالك نفسي وبكيتُ بصوتٍ عالي لأول مرة. أدركتُ أنها الحقيقة, أنه مهما حاولت أن أنكر وفاته فإن ذلك لن يجدي, لأنني لن أرى أوليفر مرةً أخرى, لن أرى ابتسامته مجددًا, وأنني لن أستطيع أن أريهِ تلك الرسمة أبدًا.
(7)
بعد مرورِ أسبوعين أخبرتني والدتي أن والدا أوليفر سينتقلان من منزلهما اليوم وسيذهبانِ الى مدينةٍ أخرى. أخذتُ رسمة أوليفر وذهبت الى والدته “لقد رسمتُ هذه الرسمة عندما كنتُ مريضًا على أملِ أن أعطيها لأوليفر, آسف أنني لم أعطِها لهُ في وقتٍ مبكر. أرجوكِ احتفظي بها.”
أخذتها وتأملتها قليلًا ثم احتضنتني “شكرًا روي” قالتها بصوتٍ حزين.
بعدها لم نرهم مجددًا ولم نعلم أي شيءٍ عنهم, هكذا انتهى خريفُ تلك السنة.
(8)
لقد مرت تسعُ سنواتٍ منذ ذلك الحين لكن مع ذلك لم أستطع نسيان أوليفر, كان كل خريفٍ يمر يحمل معه تلك الذكريات كأوراق شجرِ الخريفِ المتساقطة.
غربتِ الشمس وعدت الى الدراسة متمنيًا أن ذلك الفتى الصغير بمكانٍ أفضل بكثيرٍ من هذا العالم.
تمت.

















